إنّ والإخبار عما هم فيه بالتبار ، وعما فعلوا بالبطلان وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرا لأنّ للتنبيه على أنّ الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة وأنّ الإحباط الكلي لازب لما مضى عنهم تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً
أطلب لكم معبودا
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم ، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص اللّه إياهم من أمثالهم بما لم يستحقوه تفضلا بأن قصدوا
شرح
إنهم متبرون دون غيرهم بل هو مبتدأ فيفيد تقوى الحكم وفائدة تقديم الخبر بأنهم لا يتجاوزون عن الدمار إلى ما يضادّه من الفوز والنجاة على القصر القلبي ، وأما قوله إنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضرب لازب فمن الكناية لأنه إذا لم يتجاوز عن الدمار إلى النجاة فيلزمهم الدمار ضربة لازب ، وموجب هذه المبالغات إيقاع الجملة تعليلا لإثبات الجهل المؤكد للقوم لاقتراحهم أن يجعل لهم إلها وأبلغ من ذلك أنّ المذكور ليس جوابا بل مقدّمة ، وتمهيد وإنما الجواب قوله أغير اللّه الخ . قوله : ( وتقديم الخبرين ) أي متبر وباطل قال النحرير : هو مبنيّ على أنّ ما هم فيه مبتدأ أو متبر خبر له ، وإن كان يحتمل احتمالا مساويا أو راجحا أن يكون ما هم فيه فاعل متبر لاعتماده على المسند إليه وذلك لاقتضاء المقام الحصر المستفاد من التقديم أي متبر لا ثابت وباطل لاحق ولم يتعرّض في تقريره لهذا الحصر لظهوره اه لكن المصنف رحمه اللّه تعرض له بقوله لاحق لما هم فيه لا محالة ولازب لما مضى عنهم . قوله : ( للتنبيه على أنّ الدمار لاحق لما هم فيه الخ ) قال : وذلك لأن جعل المسند إليه اسم إشارة مع إفادته كمال التمييز ينبه عند تعقيب المشار إليه بأوصاف على أنه جدير بما يرد بعد اسم الإشارة لأجل تلك الأوصاف فيكون خبره لازبا لا يعدوه البتة ، ويختص به كاختصاص العلة حيث لم يتعرض لاثباته لغيره اه وفيه بحث ، ولهذا سكت المصنف رحمه اللّه عن قصر الاختصاص ولازب بمعنى لازم . قوله : ( تعالى قال أغير اللّه الخ ) أعاد لفظ قال : مع اتحادّ ما بين القائلين لأنّ هذا دليل خطابي بتفضيلهم على العالمين ولم يستدلّ بالتمانع العقلي لأنهم عوام . قوله : ( أطلب لكم معبود الخ ) فسره بأطلب كغيره من أهل اللغة فيتعدّى لمفعول ويكون أبغيكم على الحذف والإيصال وغير للّه إما صفة إلها قدّم عليه فانتصب على الحال أو مفعول أبغى والها حال أو تمييز ، وفي الجوهري بغيتك الشيء طلبته لك وظاهره أنه متعدّ لمفعولين ، وقد مرّ أنّ مثله لاختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص ، وذلك من تقديم المفعول أو الحال وقد يكون لإنكار الاختصاص إن اقتضاه المقام ، وفي الكشاف أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا واعتبار العبادة نظرا إلى أنه من لوازم الذات أو إلى حال الاسم قبل العلمية واعتبره لأنه أدخل في الإنكار وتركه المصنف رحمه اللّه . قوله : ( والحال أنه خصكم الخ ) هذا الاختصاص مأخوذ من معنى الكلام إذ ليس فيه ما يفيد القصر لكن كونهم أفضل من جميع العالمين ، أو من عالمي زمانهم يقتضي قصر التفضيل عليهم قصرا حقيقيا أو إضافيا ، وأما تقديم الضمير على الخبر هنا فلا يقتضيه ولو اقتضاه كما ذهب إليه الزمخشري يكون المعنى وهو