كانُوا يَحْذَرُونَ
[ سورة القصص ، الآيتان : 5 - 6 ] وقرىء كلمات ربك لتعدّد المواعيد
بِما صَبَرُوا
بسبب صبرهم على الشدائد
وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ
من القصور والعمارات
وَما كانُوا يَعْرِشُونَ
من الجنات أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي النحل يعرشون بالضم ، وهذا آخر قصة فرعون وقومه ، وقوله
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ
وما بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن منّ اللّه عليهم بالنعم الجسام وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مما رأى منهم ، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم ، روي أنّ موسى عليه السّلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكرا
فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ
فمرّوا عليهم
يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ
يقيمون على عبادتها قيل : كانت
شرح
نمنّ الخ ، وتمامه مجاز عن سبق ذلك وإنجازه ، وقيل المراد بالكلمة علمه الأزليّ والمعنى مضى واستمرّ عليهم ما كان مقدّرا من إهلاك عدوّهم وتوريثهم الأرض أو التفت من التكلم إلى الخطاب في قوله ربك لأنّ ما قبله من القصص كان غير معلوم له ، وأما كونه منجز لما وعد ومجريا لما قضى وقدّر فهو معلوم له ، وقيل : إنه رمز إلى أنه سيتم نعمته عليه بما وعده أيضا وقراءة كلمات بالجمع لأنها مواعيد ، ووصفها بالحسنى لتأويلها بالجماعة ، وكذا يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أنّ الشائع في مثله التأنيث بالتاء ، وقد يؤنث بالألف كما في قوله مآرب أخرى . قوله : ( وخرّبنا ما كان يصنع فرعون الخ ) أي التدمير التخريب والإهلاك وهو متعدّ ، وقوله دمر اللّه عليهم حذف مفعوله أي منازلهم وجوّز في اسم كان أن يكون ضميرا مستترا وفرعون فاعل يصنع وهو الظاهر وأن يكون فرعون اسمها ويصنع خبرها والتقدير بصنعه ، وأورد عليه أنه لا يجوز في نحو يقوم زيد أن يكون مبتدأ لالتباسه بالفاعل ، وفيه نظر .
قوله : ( من الجنات أو ما كانوا يرفعون الخ ) يعني العرض إمّا عروش الكروم أو بمعنى الرفع والضم والكسر في رائه لغتان ، وقرىء في الشواذ يغرسون بالغين المعجمة ، وفي الكشاف إنها تصحيف ولذا تركها المصنف رحمه اللّه تعالى وهي شاذة . قوله : ( وجاوزنا الخ ) معنى جاوزنا قطعنا يقال جاوز الوادي وجازه إذا قطعه ، والبحر بحر القلزم وأخطأن قال إنه نيل مصر كما في البحر وقوله تسلية الخ أي عما رآه صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود بالمدينة فإنهم جروا على دأب أسلافهم مع موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقوله وإيقاظا الخ أي بنو إسرائيل وقعوا فيما وقعوا فيه للغفلة عما منّ اللّه به عليهم فنزل بهم ما نزل فليحذر المؤمن من الغفلة وليحاسب نفسه في كل لحظة . قوله : ( بعد مهلك فرعون ) أي هلاكه أو زمان هلاكه ، ويجوز قراءته على صيغة المفعول قيل : يحتمل أن تكون البعدية رتبيه فإنّ عبور الجم الغفير البحر العميق من غير أن يبتلّ قدم أحد أعظم آية من هلاك فرعون وقومه ، وهو دفع لما ورد عليه وعلى الكشاف من أنه وقع في سورة الشعراءوَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 66 ] وهو صريح في أنّ عبور موسى صلّى اللّه عليه وسلّم وقومه قبل هلاك فرعون ، وكلام المصنف رحمه اللّه في سورة البقرة