بما كنى عنه أوّلا لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك ولعله أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم ، وقد روي أنّ مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السّلام
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
فيرى ما تعملون من شكر وكفران وطاعة وعصيان ، فيجازيكم على حسب ما يوحد منكم
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ
بالجدوب لقلة الأمطار والمياة والسنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرّخ به ، ثم اشتق منها فقيل أسنت القوم إذا قحطوا
وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ
بكثرة العاهات
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
لكي يتنبهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا أو ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى اللّه ، ويرغبوا فيما عنده
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ
من الخصب والسعة
قالُوا لَنا هذِهِ
شرح
وتصريحا الأولى إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء لأنه كناية عن أن سيورثكم أرضهم ولذا قالوا إنه أطماع لهم وهو معنى الإرث ، والثانية أنّ العاقبة للمتقين لأنه تقرير لما وعدهم وأنّ العاقبة المحمودة والنصرة لهم لأنهم المتقون والتصريح في قوله :عَسى رَبُّكُمْلأنّ عسى في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب أو عبر بها لعدم الجزم كما ذكره المصنف رحمه اللّه أو تأدّبا وإن كان بوحي وإعلام من اللّه وقد تجعل الكنايتان واحدة ، وقوله :فَيَنْظُرَأي يرى أو يعلم وفيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك . قوله : ( بالجدوب لقلة الأمطار الخ ) السنة بمعنى العام وغلبت حتى صارت كالعلم الزمان القحط ولامها واو أو هاء يقال أسنى القوم إذ البثوا سنة وأسنتوا إذا أصابهم الجدب فقلبت لأمه تاء للفرق بينهما ، قال المازنيّ رحمه اللّه : وهو شاذ لا يقاس عليه ، وقال الفراء : توهموا أنّ الهاء أصلية إذ وجدوها ثابتة فقلبوها تاء . قوله : ( غلبت ) أي صارت كالعلم بالغلبة فإذا أطلقت تبادر منها ذلك حتى يجعلونها تاريخا فيقولون فمن سنة كذا للجدب العامّ المشهور بينهم ، وقوله لكثرة العاهات أي عاهات الثمار . قوله : ( لكي يتنبهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم الخ ) يعني التذكر إما بمعنى الاتعاظ لأنهم إذا تنبهوا لما نزل بهم بسبب عصيانهم اتعظوا بذلك أو بمعنى الذكر أي يذكرون اللّه فيتضرعون له ، ويلجؤون إليه رغبة فيما عنده ، وقوله يتنبهوا أو ترق بيان لسبب كل من المعنيين المأخوذ مما قبله ، ومن المقام فلا يرد عليه ما قيل أن ترق قلوبهم عطف على كي يتنبهوا فكل منهما حال كونه معينا بشيء تعليل للتذكر المفسر بالتفكر ، فإن قلت لم لا يحمل كلامه على كون الاتعاظ تفسيرا للتذكر وذكر التنبيه لتوقف الاتعاظ عليه ، قلت لأنه حينئذ إما أن يعطف أو ترق على يتنبهوا أو على يتعظوا فعلى الأوّل يلزم أن يفسر التذكر بالفزع وعلى الثاني يلزم أن يفسر بالرقة وليس كذلك ، وقس عليه حال كون التنبيه تفسيرا للتذكر والاتعاظ تقريبا وبالجملة كلامه لا يخلو عن تشويش فلو قال لكي يتنبهوا أنّ ذلك بسوء كفرهم الخ أو يتعظوا فترق قلوبهم فيفزعوا الخ حتى يكون إشارة إلى معنيي التذكر كان أولى اه . قوله : ( من الخصب والسعة ) قيل إنه تمثيل فلا ينافي أنها للجنس وفيه نظر . قوله : ( لأجلنا ونحن مستحقوها ) أي اللام لام الأجل ومعنى كونها