واجب على القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقا به ، أو ضمن حقيق معنى حريص أو وضع على مكان الباء لإفادة التمكن كقولهم رميت على القوس ، وجئت على حال حسنة ، ويؤيده قراءة أبي بالباء وقرىء حقيق أن لا أقول بدون على
قَدْ جِئْتُكُمْ
شرح
لازم له فهو لازم لقو الحق أيضا ، واعترض عليه بأنّ اللزوم قد يكون من أحد الطرفين دون الآخر كما هنا ، فليس كل ما لزمك لزمته ، وأجيب عنه بأنه إشارة إلى أنه من الكناية الإيمائية كقوله البحتري :أو ما رأيت الجود ألقى رحله * في آل طلحة ثم لم يتحوّلوقول ابن هانئ :فما جازه جود ولا حلّ دونه * ولكن يسير الجود حيث يسيريعني بلغت الملازمة بين الجود والممدوح بحيث وجب وحق على الجود أن لا يفارق ساحته فيسير حيث سار وهو المراد ، وقيل عليه بل معناه أنّ بين الواجب ومن يجب عليه ملازمة فعبر عن لزومه للواجب بوجوبه على الواجب كما استفيد من العكس ، وليس من الكناية الإيمائية في شيء بل هو تجوّز فيه مبالغة حسنة . قوله : ( أو للإغراق في الوصف بالصدق الخ ) الإغراق المبالغة من قولهم أغرق الرامي في النزع وهو نوع في البديع معروف فقد جعل قول الحق بمنزلة رجل يجب عليه شيء ، ثم جعل نفسه أي قابليته لقول الحق وقيامه به بمنزلة الواجب على قول الحق فيكون استعارة مكنية وتخييلية ، فالمكنية في قول الحق إذ شبه برجل ، والتخييلية في حقيق أي بالغ في وصف نفسه بالصدق فيقول أنا واجب على الحق أن يسعى في أن أكون أنا قائله فكيف يتصوّر مني الكذب ، جعل الحق كأنه عاقل يجب عليه أن يجتهد في أن يكون هو القائم به ، وقيل عليه هذا إنما يتم لو كان اللفظ هو حقيق على قول الحق ، وليس كذلك بل على قولي الحق ، وجعل قوله الحق يجب عليه أن يسعى في أن يكون هو قائله ليس له كبير معنى ، وهذا مما ذكره النحرير ، ولم يجب عنه وأجاب عنه بعض المتأخرين بما لا حاصل له وهو ظاهر الورود ، ويمكن دفعه بأن مبناه على أنّ المصدر المؤوّل معرفة لا بد من إضافته إلى ما كان مرفوعا له ، وليس بمسلم فإنه قد يقطع النظر عن ذلك ، وصرّح بعض النحاة بأنه قد يكون نكرة كقوله :وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى[ سورة يونس ، الآية : 37 ] أي افتراء وهنا قطع النظر فيه عن الفاعل إذ المعنى حقيق عليّ قول الحق وهو محصل مجموع الكلام فلا إشكال فيه ، وما ذكره يليق بالتدقيقات الرياضية لا التراكيب العربية فتدبر . وقوله : إلا بمثلي في أكثر النسخ وهو ظاهر ، وفي بعضها بمثله على عدم الحكاية وهي بمعنى الأولى والنسخة الأولى أصح . قوله : ( أو ضمن حقيق معنى حريص الخ ) هذا هو الجواب الرابع وهو ظاهر ، وعلى جعل على بمعنى الباء كما تكون الباء أيضا بمعنى على فحقيق بمعنى جدير ، وبقي جواب سادس ذكره ابن مقسم ، وقال : إنه أولى وقد أهملوه وهو أنه متعلق برسول إن قلنا