هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
تعنتا وعنادا
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
هلا أنزل معه ملك يكلمنا إنه نبيّ كقوله :
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
[ سورة الفرقان ، الآية : 7 ]
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
جواب لقولهم ، وبيان لما هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه ، والمعنى أنّ الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحو الحق اهلاكهم فإنّ سنة اللّه قد جرت بذلك فيمن
شرح
للطلب كالجس ووجه دفع التجوّز ظاهر كما في قولهم نظرت بعيني ويقولون بأفواههم وقيل في وجهه أن التنصيص على القيد المعتبر يفيد اعتباره فيكون تأكيدا للشيء بإعادة جزئه المقصود منه فكأنه إعادة له والتأكيد يعين الحقيقة كما ذكره أهل المعاني فما قيل إنه إنما قيد به لأنّ الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء ولليد خصوصية في الإحساس ليست لسائرها ، وأما التجوّز باللمس عن الفحص فلا يندفع به إذ لا بعد في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم للفحص بأنفسهم بل يندفع لكون المعنى الحقيقي أنسب بالمقام انتهى غنيّ عن الجواب إذ لا قرينة تصرف عن المعنى الحقيقي بل قرينة التأكيد قائمة على خلافه ، وكذا ما قيل إنّ فيه تجريدا حيث ذكر بأيديهم فمعنى قوله لدفع التجوّز لدفع فساد التجوّز ، وإلا فقد وقع في التجوّز ومعنى سكرت الأبصار غمضت وأقفلت ، وأمّا قول بعضهم تقييده بالأيدي لدفع التجوّز سواء كان اللمس أعم مما هو باليد كما هو المفهوم من الكتب الكلامية ، أو كان المس باليد كما هو المتبادر من كتب اللغة فغفلة عما نقلناه عن الراغب ، ولا يليق نقل اللغة من كتب الكلام .
قوله : ( إن هذا إلا سحر مبين ) أي ظاهر كونه سحرا ، وقيل المراد به تعنتا أنه ليس بمخيل وإن كان السحر لا يكون إلا مخيلا وفيه نظر ووضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أنه قول نشأ من كفرهم أو لأنّ المراد به قوم معهودون . قوله : ( هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي الخ ) يعني لولا هنا للتحضيض والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يكلمنا أنه نبيّ فأوجز في العبارة تعويلا على انفهامه وليس معه تفسيرا لقوله عليه فلا يتوجه ما قيل إنه جعل على بمعنى مع كقوله تعالى :وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 177 ] أو جعل المعية منفهمة منه لأنّ النزول ليس في حال المقارنة إلا أن يحمل على الحال المقدّرة والداعي إلى هذا أنّ النزول عليه ليس مطلوبا لذاته بل ليكون معه نذيرا . قوله : ( جواب لقولهم الخ ) يصح في الخلل الجرّ عطفا على ما في قوله لما والرفع عطفا على المانع والمراد بالمانع اقتضاء هلاكهم وبالخلل زوال قاعدة التكليف كما سيأتي . قوله : ( والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه الخ ) في الكشاف هنا ثلاثة وجوه أمّا لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صورته وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن ثم لا يؤمنون كما قال تعالى :وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى[ سورة الأنعام ، الآية : 111 ] لم يكن بدّ من إهلاكهم كما أهلك أصحاب المائدة ، وإمّا لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة ، فيجب إهلاكهم وأمّا لأنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون انتهى ، وظاهره اختيار الوجه الأوّل من هذه الوجوه