لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة أو ما لم نعطكم من القوّة والسعة في المال ، والاستظهار بالعدد والأسباب
وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ
أي المطر أو
شرح
إلى زيادة سعة من قبلهم وقوتهم لأنّ مكنه أبلغ من مكن له ، والمصنف رحمه اللّه أشار إليه بتفسير أحدهما بالآخر ، وقد يقال أنّ مراده أنهما بمعنى بناء على عدم الفرق المذكور ، ففي التاج إنهما مثل نصحته ونصحت له ، وقال أبو عليّ : اللام زائدة كما في ردف لكم وكلامه في سورة الكهف وكلام الراغب في مفرداته يؤيده والفرق بين التفسيرين أنّ الأول بمعنى ثبتناهم في الأرض بإطالة الأعمار في سعة ورفاهية ، والثاني بأن جعلناهم متصرفين فيها ملكا وملكا وهما متقاربان . قوله : ( ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام ) إشارة إلى ما مر من تفسير مكنا ، وفي ما هذه وجوه لأنها إمّا موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم والعائد محذوف أو نكرة أي تمكينا لم نمكنه وعليهما فهي مفعول مطلق ، وقيل إنها مفعول به لأنّ مكنا بمعنى أعطينا وقيل هي مصدرية أي مدّة عدم تمكينكم ، وكلام المصنف رحمه اللّه محتمل لغير الأخير وتفسيره بالجعل المذكور لبيان المقصود الذي جعل كناية عنه كما في الكشف ، ولا حاجة إلى جعله تجريدا كما قيل وقوله : يا أهل مكة إشارة إلى أنّ الخطاب للكفرة وقيل إنه لجميع الناس وقيل للمؤمنين . قوله : ( أو ما لم نعطكم من القوّة والسعة ) إشارة إلى أنّ مكناهم كناية عن إعطاء ما تمكنوا به من أنواع التصرف فقوله :ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْبمعنى ما لم نعط فما مفعول به وإليه أشار في الكشاف حيث قال والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمودا وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا فلم يهمل موقع ما كما ظنه النحرير والوجه الأوّل ناظر إلى أنّ مكنا بمعنى جعلنا لهم مكانا وهو كناية عن السعة وطول المقام والثاني ناظر إلى أنه بمعنى التقرير والتثبيت وهو كناية عن القوّة المذكورة ويصح أيضا جعله مفعولا مطلقا على أنه بيان لمحصل المعنى ، ثم إذا كانت ما بمعنى تمكينا فالمراد التثنية نحو ضربته ضرب الأمير وأشار في الكشاف إلى أنه من التشبيه المقلوب وهو أبلغ لأنّ تمكن عاد ونحوهم أقوى فالظاهر جعله مشبها به ، وما قيل في بيان كلام المصنف رحمه اللّه هنا إنه من المكنة أي القدرة وما موصولة بحذف العائد وهي كالبدل من المكنة المدلول عليها بمكنا ، وإن جعلناه لمجرّد الإعطاء يكون مفعول أعطينا وما ذكر في الكشاف المعنى على عكسه ، فإنّ المعنى أعطينا عادا وغيرهم ما لم نعط أهل مكة انتهى يعلم ما فيه مما مر مع أنّ جعله من المكنة بضم فسكون بمعنى القدرة لا يصح لأنّ المكنة بهذا المعنى لا أصل لها في اللغة وإن كانت شائعة في كلام العوام وجعل ما في تقريره صفة وقد صرّح أبو حيان بمنعه وأنه لا يوصف بغير الذي من الموصولات وقوله كالبدل لا يخفى ما فيه من الخلل ، والعدد بالضم جمع عدّة وهي السلاح ونحوه ولكم في النظم التفات ميز به بينهم وبين أهل مكة ليتضح مرجع الضميرين وهذه نكتة في الالتفات لم يعرّج عليها أهل المعاني وله وجه آخر وهو مواجهتهم بضعف حالهم تبكيتا لهم . قوله : ( أي المطر أو السحاب الخ ) السماء على هذين مجاز ، وهو