تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
السحاب ، أو المظلة فإنّ مبدأ المطر منها
مِدْراراً
أي مغزارا
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
أي لم يغز ذلك عنهم شيئا
وَأَنْشَأْنا
وأحدثنا
مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
بدلا منهم والمعنى أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود ، وينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ
مكتوبا في ورق
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
فمسوه ، وتخصيص اللمس ، لأنّ التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا ولأنه يتقدّمه الأبصار حيث لا مانع ، وتقييده بالأيدي لدفع التجوّز ، فإنه قد يتجوّز به للفحص كقوله :
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ
[ سورة الجن ، الآية : 8 ]
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
شرح
مشهور ، وعلى الآخر حقيقة والتجوّز في إسناد الإرسال إلى السماء لأنّ المرسل ماء السحاب وإليه أشار بقوله فإنّ مبدأ المطر منها ، والمظلة بلفظ اسم الفاعل ، والمدرار مفعال كمنحار صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث ومغزارا من الغزارة وهي الكثرة . قوله : ( فعاشوا في الخصب والريف ) الخصب بالكسر كثرة الزروع والثمار ضدّ الجدب ، والريف هنا سعة المأكل والمشرب والأرض القريبة من الماء ولا ينبغي تفسيره هنا بأرض فيها خصب وزرع ولم يقل أجرينا الأنهار كما قال أرسلنا السماء للدلالة على كونها مسخّرة مستمرّة الجريان لا لأنّ النهر لا يكون إلا جاريا فلا يفيد الكلام لأنّ النظم حينئذ ناظر إلى كونه من تحتهم ولو كان ما ذكره صحيحا لما ورد في النظم كقوله :تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ[ سورة البقرة ، الآية : 25 ] والظاهر أنّ جعلنا هنا بمعنى أنشأنا أوجدنا وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب وفاء فأهلكنا للتعقيب لا فصيحة لأنّ بذنوبهم لا يقتضي ما قدّروه وهو فكفروا بل يأباه فتأمّل . قوله : ( وينشئ مكانهم آخرين الخ ) يعني أنه تتميم لما قبله كما قال الزمخشري لأنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده كقوله :وَلا يَخافُ عُقْباها[ سورة الشمس ، الآية : 15 ] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم ، ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين ، وكونهم من بعدهم . قوله : ( مكتوبا في ورق ) في نسخة في رق ويشير به إلى أنّ الكتاب بمعنى المكتوب والجارّ والمجرور صفة كتاب أو متعلق بنزلنا والقرطاس بكسر القاف ، وضمها معرب مخصوص بالمكتوب ، أو أعم منه ومن غيره . قوله : ( فلا يمكنهم أن يقولوا إنما الخ ) أي لا يحتمل أن يقولوا إذا ترك العناد والتعنت ، واعترض بأنّ اللمس هنا إنما يدفع احتمال كون المرئيّ مخيلا ، وأمّا نزوله من السماء فلا يثبت به ، وأجيب بأنه إذا تأيد الإدراك البصري في النزول بالإدراك اللمسي في المنزل يجزم العقل بديهة بوقوع المبصر جزما لا يحتمل النقيض ، فلا يبقى بعده إلا مجرّد العناد مع أنّ حدوثه هناك من غير مباشرة أحد يكفي في الإعجاز كما لا يخفى . قوله : ( وتقييده بالأيدي الخ ) سواء كان اللمس مخصوصا باليد لقول الجوهري اللمس المس باليد أو أعم لقول الراغب في مفرداته المس إدراك بظاهر البشرة كاللمس ، وهو ظاهر قول المصنف رحمه اللّه في سورة الجنّ اللمس المس مستعار