أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
[ سورة الأعراف ، الآية : 97 ] ومكر اللّه استعارة لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
أي يخلفون من خلا قبلهم ويرثون ديارهم وإنما عدّى يهد باللام لأنه بمعنى يبين
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وهو فاعل يهد ومن
شرح
أمن الجميع تعسف ظاهر فتدبر . قوله : ( ومكر اللّه استعارة لاستدراج العبد الخ ) فشبه استدراج اللّه للعاصي حتى يهلكه في غفلته بالمكر والخداع ، فلذا صح إطلاقه عليه تعالى من غير مشاكلة لكن يناقض هذا قول المصنف رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى :وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ[ سورة آل عمران ، الآية : 54 ] أنه لا يجوز إطلاق المكر على اللّه إلا بطريق المشاكلة فتأمّل ، ثم إنّ ترتب هذا الكلام أعني قوله أفأمنوا الخ على قصة أهل القرى يدلّ على أنّ تبديل السيئة بالحسنة منكر واستدراج ، وقد مرّ مثل هذا النظم في الأنعام فجعله في الكشاف ملاطفة ومزاوجة ورجحه المصنف رحمه اللّه أيضا حيث قدّمه هناك فهو تحكم بحت كما قرّره الأستاذ وردّه النحرير المدقق بأنه يمكن أن يقال بعد تسليم أن ليس المراد الإشارة في المقامين إلى التوجيهين فقوله تعالى :أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِيرجح الحمل على الملاطفة فتتمّ وجوه الإرشاد والحمل على ترك الكفر حتى يكون الكفر حينئذ أزيد في القبح والشناعة حيث قطع دابرهم لأجله وحمد عليه .
تنبيه : الأمن من مكر اللّه كبيرة عند الشافعية وهو الاسترسال في المعاصي اتكالا على عفو اللّه كما في جمع الجوامع ، وقال الحنفية : إنه كفر كاليأس لقوله تعالى :إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ[ سورة يوسف ، الآية : 87 ]فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَواستدلّ الشافعية بحديث ابن مسعود رضي اللّه عنه من الكبائر إلا من مكر اللّه وما ورد من أنه كفر محمول على التغليظ ، وفيه تفصيل ليس هذا محله فقول المصنف رحمه اللّه الذين خسروا بالكفر إشارة لهذا فتأمّله . قوله : ( أي يخلفون من خلا قبلهم الخ ) أي الإرث هنا مجاز عما ذكر وهو ظاهر وجعله يهد بمعنى يبين وإن كان هدى يتعدّى بنفسه ، وباللام وبإلى لأنّ ذلك في المفعول الثاني لا في الأوّل كما هنا فهذا استعمال آخر ، وقيل لك أن تحمل اللام على الزيادة كما في ردف لكم ، والمراد بالذين أهل مكة ومن حولها كما نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . قوله : ( لأنه بمعنى يبين ) لمّا بطريق المجاز أو التضمين وقوله : ( ويرثون ديارهم ) يقتضي أنّ الأوّل على ظاهره ولو كان عطف بأو فتأمّل ، وقوله أن الشأن إشارة إلى أنّ أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدّر ، وخبره جملة لو نشاء ، وفي اللباب تخصيص هذا بكونه مفعولا كما في قراءة النون وجعلها مصدرية والفعل بعد لو في تأويل المصدر كما في قراءة الياء ، وفيه نظر لأنه يحتاج إلى إثبات دخول المصدرية على لو الشرطية مع أنّ أن المفتوحة مصدرية أيضا فتأمّل ، وقوله : ( بجزاء ذنوبهم ) يعني أنه على تقدير مضاف أو تضمين