على معنى أنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به ، وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره ، ولذلك رتب عليه بالفاء
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزؤون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، أو عند ظهور الإسلام
شرح
فقدّر الفصيحة محذوفة بناء على جواز حذفها كما أشار إليه الزمخشري في تفسير قوله تعالى :كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى[ سورة البقرة ، الآية : 73 ] إذ المعنى فضربوه فحيي فحذف ذلك لدلالة قوله كذلك يحيي اللّه الموتى ، والعجب منه أنه قال : ثمة يعني حذف ضربوه المعطوف على قلنا شائع في الفاء الفصيحة ، وهنا قد حذفت الفاء الفصيحة في فحيي مع المعطوف بها أيضا بدلالة قوله كذلك الخ انتهى ، ورده بعض الفضلاء فقال : من زعم أنّ الفاء في فحيي فصيحة فقد غفل عن أنّ ذلك على تقدير أن تكون مذكورة وما قبلها محذوفا ، وأمّا إذا حذفا معا وقدرا معا كالذي نحن فيه فالفاء سببية محضة وليس بشيء لأنه متفق على صحة مثل هذا التقدير ، وقد قدّره هو هنا كذلك وصرح به الكرماني في مواضع من الحديث النبوي فإن كان محصل ردّه أنها لا تسمى فصيحة فنزاع لفظيّ لأنها إذا حذفت لا تفصح عن محذوف فلا تسمى فصيحة ، ومن سماها فصيحة أراد أنه لو صرح بها أفصحت عنه والأمر فيه سهل ، وقد مرّ في سورة البقرة تفصيله . قوله : ( أو كالدليل عليه الخ ) قيل هذا بناء على أنّ الفاء يكون ما قبلها مسببا عما بعدها ، وعكسه وجعلها النحاة والأصوليون على هذا تعليلية نحو أكرم زيدا فإنه أبوك واعبد اللّه فإنّ العبادة حق ، قال الرضي : وقد تكون فاء السببية بمعنى لام السببية وذلك إذا كان ما بعدها سببا لما قبلها نحو اخرج منها فإنك رجيم ، ولم يذكر إنها تفيد الترتيب حينئذ ولما كانت الفاء للتعقيب والسبب متقدّم على المسبب لا متعقب إياه تكلف صاحب التوضيح لتوجيهه بأنّ ما بعد الفاء علة باعتبار معلول باعتبار ، ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية ، وردّ بأنها لا تتأتى في كل محل ، وفي التلويح الأقرب ما ذكره القوم من أنها إنما تدخل على العلل باعتبار أنها تدوم فتتراخى عن ابتداء الحكم وفي قوله فتتراخى الخ تسمح إذ التراخي يناسب ، ثم لا الفاء ومراده أنها تعقب آخره ، وفي شرح المفتاح الشريفي فإن قلت كيف يتصوّر ترتب السبب على المسبب قلت من حيث إن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب انتهى ، فقد علمت وجه الترتيب فيها على سائر الوجوه وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله ولذلك رتب عليه بالفاء لكن ظاهر كلام النحاة ، وغيرهم أنّ هذه الفاء تختص بالوقوع بعد الأمر ، والوجه الأوّل يجري على الوجوه الثلاثة في تفسير الآية لتغاير الأعراض والتكذيب وعبارة المصنف عندي تحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون فاعل رتب لفظ فسوف يأتيهم بمعنى أنه لما كان أمرا عظيما يدل على ما هو عبرة رتب عليه الوعيد المذكور فتأمل . قوله : ( أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون ) لم يذكر النبأ في التفسير لأنّ إضافته بيانية أي النبأ الذي استهزؤوا به ، وهو إخباره عن الوعد والوعيد كقوله :وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ[ سورة ص ، الآية : 88 ] أو لأنه جعل إتيان لنبأ كناية عن الظهور كقوله :