الدهر يعاقب في الناس بين الضرّاء والسرّاء وقد مس آباءنا منه مثل ما مسنا
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
شرح
أعطيناهم بدل ما كانوا فيه الخ ) قيل في مكان وجهان أظهرهما أنه مفعول به لا ظرف والمعنى بدّلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة ، وهو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت زيدا بعمرو فزيدا مأخوذ وعمرو متروك كما مرّ والثاني إنه منصوب على الظرفية إلا أنه مردود لأنه لا بدّ له من مفعولين ، أحدهما على إسقاط الباء وفي كلام المصنف رحمه اللّه ما يدفعه فإنه جعل بدّل متضمنا معنى أعطى الناصب لمفعولين أحدهما ضميرهم والثاني الحسنة ، وتلك الحسنة في مكان السيئة وكونها في مكانها كناية عن كونها بدلا عنها ولا محذور فيه كما توهم ، وقوله : ( ابتلاء لهم ) بالأمرين أي معامله معهم كمعاملة المختبر بالإساءة والإحسان . قوله : ( يقال عفا النبات إذا كثر ومنه إعفاء اللحى ) اللحى جمع لحية ، ويجوز في لام اللحى الضم والكسر كما في كتاب العين ، وهو إشارة إلى ما وقع في حديث السنن : « أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى » « 1 » والإحفاء الاستقصاء والنهك فحمله الأكثر على القص بدليل التصريح به في رواية وبعضهم على الحلق وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى أي قللوا شعر الشوارب وكثروا شعر اللحى بتركه على حاله . قوله : ( كفرانا لنعمة اللّه الخ ) معنى قوله يعاقب يجعل كلا منهما عقب الآخر ويداولها فيتعاوران ، وفي الكشاف في تفسير مثل هذه الآية فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الصحة والسعة وصنوف النعمة ليزاوج عليهم بين توبتي الضرّاء والسرّاء كما يفعل الوالد المشفق بولده ، ويخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه فقيل عليه إنه تمحل الاعتزال ، وتنكب عن ظاهر المقال ، ولا ينبغي أن يخفى على أحد أنّ هذا استدراج واستهلاك عند غاية الفرح والسرور وانفتاح أبواب الأماني والمطالب جميعا ليكون الأخذ والهلاك أشدّ وأفظع وليس من قبيل التنقيف والتأديب ، والبلاء بالحسنات والسيئات ، وفي الكشف قيل الظاهر أنه استدراج لا تنقيف وتأديب كما في الكشاف .
( أقول ) أما إنه تعالى يفعل ذلك بعباده ملاطفة فغير منكر لقوله :وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ سورة الأعراف ، الآية : 168 ] وأما سياق هذه الآية فلا ينافي ما ذكره لأنّ الملاطفة بعينها تصير استدراجا فيما بعد ، وأما الأثر المروي : « إذا رأيت اللّه يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج » « 2 » وتلا الآية فلا يرد ما ذكره لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذه من قوله حتى :إِذا فَرِحُوا[ سورة الأنعام ، الآية : 44 ] وقد سبق أنّ الملاطفة تصير استدراجا ، وقيل على كل
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 259 وأبو داود 4199 والترمذي 2764 ومالك 2 / 947 وأحمد 2 / 156 من حديث ابن عمر .
( 2 ) أخرجه أحمد 4 / 145 من حديث عقبة بن عامر ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع 17796 من وجه آخر لكن فيه : « فتلافَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ . . .وقال الهيثمي : الوليد بن العباس المصري ضعيف اه .
وأخرجه البيهقي في الشعب 4540 بمثل رواية الطبراني ورجاله ثقات .