عليهم ، ثم أنكر على نفسه فقال :
فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم أو قاله اعتذارا عن عدم شدّة حزنه عليهم والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدّقوا قولي فكيف آسى عليكم ، وقرىء فكيف إيسي بإمالتين
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
بالبؤس والضر
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
حتى يتضرّعوا ويتذللوا
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ
شرح
الرد عليهم في أنّ من اتبع شعيبا عليه الصلاة والسّلام خاسر بأن الخاسر إنما هو هم لأنّ لهم الخسران الديني والدنيوي على أبلغ وجه كرّر الموصول من غير عطف لأنه بين أوّلا هلاكهم حتى كأنهم لم ينزلوا قط في ديارهم ، وأنهم خسروا خسرانا عظيما وسفه رأيهم بأنّ الخسران في تكذيبه لا في اتباعه كما زعموا ، واستهزأ بأن ما جعلوه نصيحة صار فضيحة أثرها في الدنيا كالعقبى ، ومن عادة العرب الاستئناف من غير عطف في الذم والتوبيخ فيقولون أخوك الذي نهب مالنا أخوك الذي هتك سترنا فتأمل . قوله : ( ثم أنكر على نفسه الخ ) أي جرّد من نفسه شخصا وأنكر عليه حزنه على قوم لا يستحقونه كما فعل امرؤ القيس في قوله :تطاول ليلك بالإثمد * ونام الخليّ ولم ترقدوكان من حق الظاهر وكيف يشتد حزنك لقوله : ( ثمّ أنكر على نفسه ) لكنه التفت وقال :
كيف يشتد حزني ، وإذا كان مع غيره فلا يكون من التجريد كذا قال الطيبي رحمه اللّه ( قلت ) الظاهر أنه ليس من الالتفات ولا التجريد في شيء فإنّ قوله قال يقتضي صيغة التكلم وصيغة التكلم تنافي التجريد فما ذكره لا وجه له وإنما هو نوع من البديع يسمى الرجوع لأنه إذا كان قوله قد أبلغتكم تأسفا ينافي ما بعده فكأنه بدا له ورجع عن التأسف منكرا لفعله الأوّل ومثله كثير في الإشعار والنكتة فيه الإشعار بالتوله والذهول لشدّة الحيرة لعظم الأمر ، بحيث لا يفرق بين ما هو كالمتناقض من الكلام وغيره وقد صرح به أصحاب البديع ، والحاصل أنّ فيه وجهين فالوجه الأوّل أنه حزن واشتدّ حزنه على حال القوم ، ثم أنكر ذلك على نفسه ، والثاني أنه لا حزن عليهم لأنهم لم يقبلوا النصيحة فليسوا أحقاء بالحزن ، وقراءة إيسي بكسر الهمزة وقلب الألف ياء على لغة من يكسر حرف المضارعة ، وإمالة الألف الثانية وفي قوله : بإمالتين تغليب وتسمح وإلا فالأوّل كسر وقلب صريح ، وقوله : ( فلم تصدقوا ) روي بالتاء والياء .
تنبيه : في تاريخ ابن كثير رحمه اللّه تعالى أنّ شعيبا عليه الصلاة والسّلام نبيّ أهل مدين ومدين قبيلة من العرب سميت بهم المدينة ، وشعيب عليه الصلاة والسّلام ابن يشجر بن لاوى ابن يعقوب ، وقيل غير ذلك في نسبه وقيل إنّ شعيبا وبلعم آمنا بإبراهيم عليه الصلاة والسّلام وفي الاستيعاب أنّ شعيبا صهر موسى عليهما الصلاة والسّلام من قبيلة من العرب تسمى عنزة ، وعنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان وبينه وبين من تقدّم دهر طويل فهم غير أهل مدين ، وشعيب اثنان اه . قوله : ( بالبؤس والضر ) أي الفقر والمرض لتفسيره الحسنة بالسعة