تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر ، وشعيب عليه الصلاة والسّلام لم يكن في ملتهم قط ، لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقا لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم على ذلك أجرى الجواب في قوله :
قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
أي كيف نعود
شرح
نكير . قوله : ( وشعيب عليه الصلاة والسّلام لم يكن في ملتهم قط ) دفع لما يقال أنّ العود الرجوع إلى ما كان عليه قبل ، وشعيب صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ معصوم عن الذنوب فضلا عن الكفر ، فأشار المصنف رحمه اللّه إلى أنه من باب التغليب فغلبوا عليه ، والعائد منهم دونه كما غلب هو عليهم في الخطاب ففي الآية تغليبان أو تعود بمعنى تصير يعمل عمل كان كما أثبته بعض النحاة واللغويين ، وسيأتي أنّ المصنف رحمه اللّه جوّزه في سورة إبراهيم ، وحينئذ فلا تغليب إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله بعد إذ نجانا اللّه منها إلا أن يقال بالتغليب فيه ، أو يقال التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه ، ألا ترى إلى قوله :فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ[ سورة الأعراف ، الآية : 83 ] وأمثاله أو أنّ هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم ، أو هو صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاما لأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب عليه الصلاة والسّلام على طريق المشاكلة ، وقيل إنه جار على نهج قوله :اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ[ سورة البقرة ، الآية : 257 ] والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه ، ونحن نعلم أنّ المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر ، ولا كان فيها وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه ، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق اللّه العبد ميسرا لكل واحد منها متمكنا منه ، لو أراده عبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله عنه إلى الإيمان اختيارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من اللّه له ولطفا به ، والعكس في حق الكافر وقد مضى تطبيق هذا النظر عند قوله :أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى[ سورة البقرة ، الآية : 16 ] وهو من المجاز المعبر فيه عن المسبب بالسبب ، وفائدة اختياره في هذا الموضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة اللّه على عباده ، وهاهنا احتمال وهو أنّ الظاهر أنّ العود المقابل للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية ، والجار والمجرور حال أي ليكن منكم الخروج من قريتنا ، أو العود إليها كائنين في ملتنا ، فلا تغليب وعدى عاد بفي كان الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم . قوله : ( أي كيف نعود الخ ) في الكشاف الهمزة للاستفهام والواو والحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم حال كراهتنا ، قيل ليست هذه واو الحال بل واو العطف عطفت هذه الحال على حال مقدّرة كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ردّوا السائل ولو بظلف محرق » « 1 » إذ ليس
هامش
( 1 ) أخرجه مالك 2 / 923 والنسائي 5 / 85 - 86 وأحمد 5 / 381 و 6 / 383 عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم يجيد مرفوعا ، وإسناده إلى عبد الرحمن على شرطهما وعبد الرحمن ثقة يقال له رؤية ، وذكره بعضهم في الصحابة ، وجدته صحابية وجاء في سنن النسائي : « وكانت ممن بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . »
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 322 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي