الْعالَمِينَ
استدراك باعتبار ما يلزمه ، وهو كونه على هدى كأنه قال : ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من اللّه سبحانه وتعالى
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما
شرح
التأنيث متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ ، كما في هذه الآية ، وليس الضلالة مصدرا كالضلال بل هي عبارة عن المرّة الواحدة ، فإذا نفى نوح عليه الصلاة والسّلام عن نفسه المرة الواحدة من الضلال فقد نفى ما فوق ذلك ، وقد اشتهر الاعتراض على ذلك بوجوه منها ما قيل إنه غير مستقيم لأنّ نفي الأخص أعم من نفي الأعم ، فلا يستلزمه ضرورة ، أنّ الأعم لا يستلزم الأخص بخلاف العكس ، ألا تراك إذا قلت هذا ليس بإنسان لم يلزم أن لا يكون حيوانا ، ولو قلت هذا حيوان لا يستلزم أن يكون إنسانا ، فنفي الأعم كما ترى أبلغ من نفي الأخص ، وأيضا جعل التاء للوحدة كتاء تمرة ، وقد قال في المجمل الضلال والضلالة بمعنى واحد ، وأيضا لو قيل ما عندي تمرة بمعنى تمرة واحدة ، وعندي تمر كثير صح ، كما لو أظهر ذلك فقال ليس عندي تمرة واحدة بل تمرات حتى لا يعد مثله تناقضا ، فقول نوح صلّى اللّه عليه وسلّم :لَيْسَ بِي ضَلالَةٌليس نفيا لضلالات مختلفة الأنواع ، وردّ بأنهما وأنّ جاآ في اللغة بمعنى واحد كالملال والملالة إلا أن مقابلة الضلال بالضلالة ونفيها عند قصد المبالغة في الهداية ، يدلّ أنّ المراد به المرة ، والتاء للوحدة فيكون بعضا من جنس الضلال وفردا واحدا منه ، ويؤول معناه إلى أقل ما يطلق عليه اسم الضلال ، وهذا معنى كونه أخص ، ولا يبعد تفسيره بالأقل فردا وظاهر ، أنّ نفيه أبلغ من نفي الجنس المحتمل للكثرة ، أو الانصراف إلى الكمال ، كما يحتمل نفس الماهية ، ولا كذلك احتمال رجوع النفي في المرة إلى الوحدة ، بمعنى ليس بي ضلالة بل ضلالات ، كما في جاءني رجل بل رجلان لأنه مضمحل ، في هذا المقام لا مجال للوهم فيه فسقط ما أورد على ذلك برمته ، وأغنى عما وقع هنا للشراح من القيل والقال ، وإليه أشار المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله شيء من الضلال فتدبر ، وقوله بالغ في النفي حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة ، وبالغوا في الإثبات حيث أكدوا كلامهم بأنّ واللام ، وجعلوا الضلال ظرفا له ، وقوله وعرض لهم به لأنّ تقديم المقيد لاختصاص النفي به يقتضي أنه ثابت لهم ، وهو المراد بالتعريض لأنه من عرض الكلام ومفهومه . قوله : ( استدراك باعتبار ما يلزمه الخ ) في الكشاف فإن قلت كيف وقع قوله ولكني رسول استدراكا للانتفاء عن الضلالة ، قلت كونه رسولا من اللّه مبلغا رسالاته ناصحا في معنى كونه على الصراط المستقيم فصح لذلك أن يكون استدراكا للانتفاء عن الضلالة ، فقيل عليه معنى الاستدراك أن يقع للمخاطب في الجملة السابقة وهم فيتدارك ذلك الوهم بإزالته ، فلما نفى الضلالة عن نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء الرسالة أيضا كما انتفى الضلالة فاستدركه بلكن ، كما في قولك زيد ليس بفقيه ، لكنه طبيب ، وأما جوابه بأن إثبات الرسالة في معنى الاهتداء وإثبات الاهتداء استدراك لنفي الضلالة ففيه بعد ، لأنه لما نفى الضلالة لم يذهب وهم واهم إلى نفي الاهتداء أيضا حتى يحتاج إلى تداركه ، ويمكن أن يقال إذا لم يسلك طريقا فلا