نردّدها ونكرّرها
لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
نعمة اللّه فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
جواب قسم محذوف ، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع ، فإن المخطب
شرح
نكدا كما ذكره المعرب ، وقيل أراد به تصحيح اللفظ لا أنه منصوب على المصدر ، فإنه حال بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وقوله : ( يخرجه البلد ) لم يجعل الضمير للّه لتكلفه ، ونردّدها ونكرّرها تفسير لنصرف ، لأنّ التصريف تبديل حال بحال ، ومنه تصريف الرياح . قوله : ( لقوم يشكرون نعمة اللّه الخ ) أو مثل ما مرّ في القرآن من تفصيله وتبيينه نفصل ونكرر سائر آياته لمن شكر نعمة اللّه التي من جملتها هذا التفصيل ، وشكرها بالتفكر فيها والاعتبار بها وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون به وإن عم ، وإنما فسر الشكر بما ذكر لأنه المناسب لما قبله ، ولو أبقى على ظاهره لكان أظهر . قوله : ( والآية مثل لمن تدبر الآيات الخ ) أي قوله : ( والبلد الطيب ) الخ استطراد واقع على أثر ذكر المطر الذي هو توطئة لقوله :كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتىالخ أي هو تمثيل وتقريره أنا بينا تلك الآيات الدالة على القدرة والعلم لعلكم تتفكرون فيها ، فتعلمون أنكم إلينا ترجعون ، لكن لا تنجع تلك الآيات إلا فيمن شرح اللّه صدره ، فيخرج نبات فكره طيبا ، ومن جعل صدره ضيقا لا يخرج نبات فكره إلا حبينا ، فلا يرفع لها رأسا ، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ، وهذا كما في حديث الصحيحين أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجاذب أمسكت الماء ، فنقع اللّه بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان « 1 » لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين اللّه عز وجل ونفعه اللّه بما بعثني به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع لذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت له » « 2 » . وقوله : ( لم يرفع رأسا ) استعارة لعدم الانتفاع والقبول ، والظاهر أنه كناية ، وفي كلام المصنف رحمه اللّه تعالى إشارة إلى هذا الحديث . قوله : ( جواب قسم محذوف الخ ) أي هو جواب قسم محذوف تقديره واللّه لقد أرسلنا ، وفي الكشاف فإن قلت ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، وقلّ عنهم نحو قوله :حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا فما إن من حديث ولا صاليقلت : إنما كان ذلك لأنّ الجملة القسمية لا تساق ، إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم ، وتبعه المصنف رحمه اللّه لكن غيره من النحاة قالوا إذا كان جواب القسم ماضيا مثبتا متصرفا
هامش
( 1 ) القيعان : المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض .
( 2 ) أخرجه البخاري 79 ومسلم 2282 وأحمد 4 / 399 من حديث أبي موسى الأشعري .