ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له ، وليس متعلق المصدر لأن صلته لا تتقدّم عليه .
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ
من خبر أو شر فيثيب عليه ، ويعاقب ولعله أريد بالسر والجهر ما
شرح
بينهما وقوله لأن العالم إذا كان في مكان لا يدل على ما ادّعاه ، ثم قال : ويجوز أن يكون كناية فيمن لم يشترط جواز المعنى الأصلي ، ولا يستقيم هذا الكلام بدون هذا المجاز أو الكناية وردّ بأنه يستقيم إذا حمل على المبالغة كما مرّ انتهى ، وما أورد على التمثيل ليس بوارد لأنه شبهت الحالة التي حصلت من إحاطة علم اللّه بهما وبما فيهما بحالة بصير تمكن في مكان فنظره وما فيه ، والجامع بينهما حضور ذلك عنده ، وجوز فيه أن يكون مجازا مرسلا باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر وأن يكون استعارة بالكناية بأن شبه بمن تمكن في مكان ، وأثبت له ما هو من لوازمه وهو علمه به وبما فيه . قوله : ( ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له الخ ) يعني على كون الظرف خبرا ، وهو كالقرينة له فلذا جعله بيانا لأنّ القرينة تبين المراد ، ولما كان معنى كونه فيهما إحاطة علمه كان هذا تقريرا وتوكيدا لدلالته عليه فلا وجه لما قيل الأولى أن يقول أو تقرير ، وجوز الزمخشري كونه خبرا ثالثا بناء على أنّ القرينة فيه عقلية ، وهي أنّ كل أحد يعلم أنه تقدّس وتعالى منزه عن المكان والزمان كما في قوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ سورة الحديد ، الآية : 4 ] إذ لم يردف بما يبينه فلا يرد أنه لو جعل خبرا انتفت القرينة . قوله : ( وليس متعلق المصدر الخ ) لأنّ معمول المصدر لا يتقدّم عليه ، والمراد بالمصدر السر والجهر فيكون من التنازع ويلزمه أيضا التنازع مع تقدّم المعمول وفيه خلاف أيضا ، وأمّا ما قاله ابن هشام رحمه اللّه من أنه إنما يمتنع تقدّمه إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك فليس مما منعوه فقد ردّه الشارح بأنّ تقديره ما يسرون وما يجهرون ، وفيه نظر ، ومنهم من يجوز تقدم الظرف لكنه قيل إنّ المصدر هنا بمعنى المفعول فلا يؤول بالموصول الحرفي والفعل ، وقيل عليه إنّ هذا وإن صح لفظا لا يصح معنى لأنّ أحوال المخاطبين لا معنى لكونها في السماء ، والقول بأنّ المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السماوات أو نفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض خروج عن الظاهر ، وتعسف لا يخفى قلت وهو وارد على المصنف رحمه اللّه أيضا لا من جهة أنه جعل المانع من جهة العربية فأشعر بصحته معنى بل على وجه تعلقه بالفعل ، وجعل الظرفية باعتبار المفعول فإنه يقتضي أن سر المخاطبين في السماوات أيضا ، ولذا تركه بعضهم اللهم إلا أن يقال إنه كناية عن إحاطة العلم بالخفيّ ، والظاهر كقوله تعالى :لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ[ سورة سبأ ، الآية : 3 ] ولذا قال بعض المتأخرين لعل جعل سرهم وجهرهم فيها لتوسيع الدائرة ، وتصوير أنه لا يعزب عن علمه شيء في أي مكان كان لا لأنهما قد يكونان في السماوات أيضا ، وأمّا تعميم الخطاب للملائكة فتعسف مع أنّ السياق يقتضي أنه على هذا لا يحتاج إلى التأويل كما في الخبرية ، فهذا صلح عن غير تراض .
قوله : ( من خير أو شرّ الخ ) رتب عليه قوله فيثيب الخ إشارة إلى أنّ علمه تعالى عبارة