يخفى ، وما يظهر من أحوال الأنفس ، وبالمكتسب أعمال الجوارح
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
من الأولى مزيدة لاستغراق ، والثانية للتبعيض أي وما يظهر لهم دليل قط من
شرح
عن جزائه فتنمّ مغايرته لما قبله ، وقوله ولعله أريد بالسر والجهر الخ ، قال خاتمة المدققين فإن قلت هذا إنما يظهر إذا لم يتعلق في السماوات بيعلم ، وأمّا إذا تعلق به فلا إذ لا تكون السماوات ظرفا لأحوال أنفس المخاطبين قلت الآية الكريمة حينئذ من تغليب المخاطبين على الملائكة وفيه بعد لا يخفى ، وقد فسر السر بالنفوس والجهر بالأبدان ، ثم قيل على تقدير تعلق الظرف بالفعل المذكور يكون المعنى يعلم نفوسكم المفارقة في السماوات ، ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض ، وفيه بحث فإنّ الخطاب على هذا يكون للمؤمنين ، وقد يكون فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة والارتباط ، ثم كيف يفعل إذا تعلق الظرف بالمصدر مع أنّ أبدان المخاطبين ليست في السماوات ولعل الأولى واللّه أعلم أن يقال المراد بالسر ما كتم عنهم من عجائب الملك ، وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر لهم من السماوات ، والأرض فإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية ، وفيه نظر ، ومراد المصنف رحمه اللّه بيان المغايرة بين المتعاطفين أيضا كما أنّ منهم من دفعه باختصاص الأوّل بالأقوال وهذا بالأفعال ، وقيل عليه أحوال الأنفس كيف تكون ظاهرة وأجيب بأنه باعتبار ما يدل عليها من الجوارح كما تظهر آثار الغضب والفرح ، وغيرها من الأحوال النفسية . قوله : ( من الأولى مزيدة للاستغراق ) قيل أي لتأكيده فإنّ النكرة في سياق النفي للاستغراق ، ويحتمل عدمه احتمالا مرجوحا كما في قولك ما رجل في الدار بل رجلان بجعل النفي عائدا إلى وصف الفردية خصوصا ، وأمّا إذا كان مع من الاستغراقية لفظا نحو ما من رجل في الدار أو تقديرا نحو لا رجل في الدار فهو نص في الاستغراق ، ولا يحتمل عدمه لكونه لنفي الجنس بالكلية وهذا مخالف لما حققه ابن مالك في التسهيل من أنه إذا كانت النكرة بعدها لا تستعمل إلا في النفي العام كانت لتأكيد الاستغراق نحو ما في الدار من أحد وإذا كانت مما يجوز أن يراد بها الاستغراق ويجوز أن يراد بها نفي الوحدة أو نفي الكمال كانت من دالة على الاستغراق نحو ما جاءني من رجل فتأمل .
قوله : ( والثانية للتبعيض ) وجعلها ابن الحاجب تبيينية فقال النحرير ، ولا يستقيم إلا إذا كانت النكرة في النفي بمعنى جميع الإفراد لما صرحوا به من أنه لا بد من صحة حمل المبين على المبين ، وما قاله من أنها لو كانت تبعيضية لما كانت الأولى استغراقية ممنوع لصحة قولنا ما يأتيهم بعض من الآيات من أيّ بعض كان ، ومبني كلامه على اعتبار التبيين والتبعيض بعد اعتبار النفي ، وإفادة الشمول والإحاطة فيصح التبيين ، ولا يصح التبعيض حينئذ لكن لا يخفى إمكان اعتباره بعد اعتبار التبعيض فتأمل انتهى ، وفيه بحث فإنّ الشمول والإحاطة في أمثاله يكون على البدل لا الاجتماع حتى لا يصح التبعيض ، وحاصله أن التناول لكل فرد الذي هو مدلول النكرة المنفية قد يستلزم الحكم على المجموع كما فيما نحن فيه فإنّ مآل المعنى إلى أنّ المجموع ليس إلا معرضا عنه لهم فبالنظر إليه جاز كون من بيانية ، وتحقيقه أنّ هاهنا اعتبارين