تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
له الخلق والأمر فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم ، فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
[ سورة فصلت ، الآية : 12 ] وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة ، ثم قسمها بصور نوعية متضادّة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ سورة فصلت ، الآية : 9 ] أي ما في جهة السفل في يومين ، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادّها أوّلا وتصويرها ثانيا كما قال تعالى بعد قوله :
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ سورة فصلت ، الآية : 9 ]
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
[ سورة فصلت ، الآية : 10 ] أي مع اليومين الأوّلين لقوله تعالى في سورة السجدة :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
[ سورة السجدة ، الآية : 4 ] ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيّام ، ثم صرّح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين ، ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين فقال
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
أي ذوي تضرع وخفية فإنّ الإخفاء دليل الإخلاص
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره نبه به على أنّ الداعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام والصعود إلى السماء ، وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب
شرح
إما من عالم الخلق ، والملك وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، أو من عالم الأمر والملكوت ، وهو كل ما كان مجرّدا عن الحجمية والمقدار إلى آخر ما فصله ، فقوله المستحق للربوبية واحد مأخوذ من قوله إنّ ربكم وما وصف به ، وقوله : ( لأنه الذي الخ ) إشارة إلى أن الصفات أجريت للتعليل ، وقوله : ( فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم ) الخ بيان لدليل الانحصار ، وقوله : ( فأبدع الأفلاك ) إشارة إلى تقدّم خلق السماء على الأرض كما مرّ ، وقوله : ( جسما قابلا للصور ) هو الهيولي وسماها جسما لأنها مادّته ، وقوله : ( ثم قسمها ) إشارة إلى العناصر الأربعة وما يتكوّن منها ويتولد منها وهي المواليد الثلاثة ، أي الحيوان والنبات والمعدن ، وقوله : ( لقوله الخ ) استدلّ به على أنّ الأربعة الأيام مع اليومين الأوّلين ، وقوله : ( ثم لمّا تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره ) فيكون قوله ثم استوى على العرش استعارة تمثيلية . قوله : ( أي ذوي تضرّع الخ ) فهو حال من الفاعل بتقدير مضاف ، ويجوز نصبهما على المصدرية أيضا ، وقوله نبه به الخ ، إشارة إلى أنّ معنى التجاوز في الدعاء طلب ما لا يليق به ، فإنه تعدّ عن حدّه المناسب له ، وقوله وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب الخ ، الإسهاب معناه الإفراط في التطويل ، وفي رفع الصوت بالدعاء اختلاف ، منهم من كرهه مطلقا ، ومنهم من قبله مطلقا ، ومنهم من فصل فقال : عند خوف الرياء الإخفاء أفضل فإن لم يخفه فالإظهار أفضل ، وفي الانتصاف حسبك في