أمره أو استولى ، وعن أصحابنا أنّ الاستواء على العرش صفة اللّه بلا كيف ، والمعنى أنّ له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزها عن الاستقرار والتمكن ، والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإنّ الأمور والتدابير تنزل منه ، وقيل : الملك
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
يغطيه به ، ولم يذكر عكسه للعلم به أو لأنّ اللفظ يحتملهما ، ولذلك قرىء يغشى الليل النهار بنصب الليل ورفع النهار ، وقرأ
شرح
المختلف فيها فقيل المراد استوى أمره فالإسناد مجازيّ أو فيه تقدير ، ولا يضرّ حذف الفاعل إذا قام ما أضيف إليه مقامه ، وقيل الاستواء بمعنى الاستيلاء كما في قوله :قد استوى بشر على العراقفعلى الأوّل ليس من صفاته تعالى ، وعلى الثاني يرجع إلى صفة القدرة ، وفي أحد قولي الأشعريّ إنه صفة مستقلة غير الثمانية ، وإليه أشار المصنف رحمه اللّه ، وقيل بالتوقف فيه وأنه ليس كاستواء الأجسام وحمله المجسم على ظاهره . قوله : ( والعرش الخ ) أي هو فلك الأفلاك ، أما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرش الملك وهو سريره ، ومنه رفع أبويه على العرش ، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام ومنه ثلّ عرشه إذا انتقض ملكه واختل . قوله : ( ولم يذكر عكسه للعلم به الخ ) أشار بقوله يغطيه أي يغطي اللّه النهار بالليل ، إلى أنّ الفاعل هو اللّه وإسناده إلى الليل مجاز ولما كان المغطي يجتمع مع المغطي وجودا ولا يتصوّر هنا قال المصنف رحمه اللّه في سورة الرعد يلبسه مكانه فيصير الجوّ مظلما بعد ما كان مضيئا يعني المغطى حقيقة هو المكان ، وأسند إليه للملابسة بينهما ، وجوّز جعل الليل والنهار مغشي على الاستعارة بأن يجعل غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانه للنهار نفسه ، فكأنه لف عليه لف الغشاء أو شبه تغيب كل منهما بطريانه عليه بستر اللباس للابسه ، وكون الجوّ مكانهما بمعنى مكان ضيائهما وظلمتهما وإلا فليس للزمان مكان فتدبر . قوله : ( أو لأنّ اللفظ يحتملهما الخ ) يعني معنى ما ذكره أوّلا من تغطية النهار بالليل وعكسه تغطية الليل بالنهار ، فيكون موافقا للقراءة المشهورة . وقال النحرير : إنه يعني أن يغشى الليل النهار محتمل لمعنى جعل الليل لاحقا بالنهار ، بأن يحمل على تقديم المفعول الثاني وهو الليل ولمعنى جعل النهار لاحقا بالليل بأن يكون المفعول الثاني هو النهار ، إلا أنه قيل ولا يراد منه إلا أحد المعنيين على التعيين فوجب المصير إلى الجواب الأوّل ، واحتمال أنّ في أحد المعنيين إشارة إلى الآخر لا يخفى بعده ، وردّه أبو حيان بأنه لا يجوز أن يكون الليل مفعولا ثانيا من حيث المعنى لأنّ المنصوبين إذا تعدّى إليهما فعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى يلزم أن يكون هو الأوّل منهما ، كما لزم ذلك في ملكت زيدا عمرا ، ورتبة التقديم هي الموضحة لأنه الفاعل معنى ، كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى بخلاف أعطيت زيدا درهما فإن تعين المفعول الأوّل لا يتوقف على التقديم ، وفي القاعدة المذكورة كلام سيأتي في سورة مريم . وعندي أنّ مراده أنّ الليل والنهار بمعنى كل ليل ونهار وهو بتعاقب الأمثال مستمرّ الاستبدال فيدلّ على تغيير كل