تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة ، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وجوابه أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب ، وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
أي أقسم لهما على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة وقيل أقسما له بالقبول ، وقيل
شرح
المجهول كضارب وضورب أبدلت ألفه واوا قالوا والأولى فاء الكلمة والثانية زائدة وقرئ أورى بالهمزة لأنّ القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرّك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفا مثال الأوّل أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتكسيره ، ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم تتحرّك بالفعل أو القوّة جاز الإبدال كما هنا ، كذا قرّره النحاة فلا وجه لتردّد النحرير فيه : ومعنى المواراة الستر ، وقرئ سوأتهما بالإفراد والهمز على الأصل وبإبدال الهمزة واوا وإدغامها ، وقرئ بالجمع على الأصل وبطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها وبقلبها واوا وإدغامها ، وهي إمّا من وضع الجمع موضع التثنية أو لإدخال الدبر في السوأة وقوله وبقلبها أي قرئ بقلب الهمزة واوا وإدغامها فيصير اللفظ سوّآتهما بتشديد الواو فليس في كلامه خلل كما توهم .
قوله : ( الإكراهة أن تكونا ) يعني أنه استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة كما عرف في أمثاله ، وأمّا عدم التقدير على أنه سبب بعيد فخلاف الظاهر المشهور . قوله : ( الذين لا يموتون أو يخلدون الخ ) أي المراد من الخلود عدم الموت أصلا أو الخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة ، واستدل بهذه الآية على فضل الملائكة على الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين وفي الكشاف على البشر ووجهه أنه لما قال :
أن تصير ملكا أو تكون في مرتبة الملك كما لا قرّر ذلك ولم ينكر عليه وأيضا ارتكب آدم عليه الصلاة والسّلام المنهي عنه طمعا في ذلك ، فلو لا أنه أفضل لم يرتكبه فليس الاستدلال بمجرّد قول إبليس وإنما قال الزمخشريّ على البشر لأنه لم يكن نبيا في الجنة والمصنف رحمه اللّه تعالى نظر إلى ما يؤول إليه . قوله : ( وجوابه الخ ) هو ظاهر لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل فلا يدل على التفضيل من كل الوجوه ، وأيضا إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وقيل على قوله إنّ الحقائق لا تنقلب إنه لا مانع منه عند الأشاعرة لتجانس الأجسام فإما أن يكون هذا مختاره أو إلزاما لهم على مذهبهم فتأمّل . قوله : ( وأخرجه على زنة المفاعلة الخ ) لما كان القسم من جانب واحد ، والمفاعلة تقتضي صدوره من الجانبين قيل إنه بمعنى أقسم وإنما عبر بالمفاعلة للمبالغة لأنّ من يباري أحدا في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه ، أو أنه وقع من الجانبين ولكنه اختلف متعلقه فهو أقسم على النصح وهما على القبول ، وفي الانتصاف في إنما يتم لو لم يذكر المقسم عليه ، وهو النصيحة أمّا إذا ذكر فلا يتم إلا إذا سمي قبول النصح نصحا لمقابلته له كما قيل في وواعدنا موسى أو أنه تجوز المفاعلة ، وإن لم يتحد المتعلق لكن كونه