تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
لأنّ الإتيان منه يوحش الناس وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما من بين أيديهم من قبل الآخرة ، ومن خلفهم من قبل الدنيا وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيآتهم ، ويحتمل أن يقال من بين أيديهم من حيث يعلمون ، ويقدرون على التحرّز عنه ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ، ولا يقدرون وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتسر لهم أن يعلموا أو يحترزوا ، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ، وإنما عدّى الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عرضهم ، ونظيره قولهم جلست عن يمينه
وَلا تَجِدُ
شرح
حاجة إلى الاعتذار عن تركهما . قوله : ( وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما من بين أيديهم من قبل الآخرة ) هكذا أخرجه ابن أبي حاتم فعلى هذا ليس الكلام كله تمثيلا واحدا بل مجازات أو استعارات أو كنايات فما بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة آتية ، وما هو كذلك كأنه بين اليدين ، ومن فسره بالدنيا فلأنها حاضرة مشاهدة وما خلفهم الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة ومن فسره بالآخرة فلأنها مغيبة عنهم وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيئات لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال :أبيني أفي يمني يديك جعلتني * فافرح أم صيرتني في شمالكقوله : ( ويحتمل أن يقال من بين أيديهم الخ ) فيكون المراد بما بين أيديهم ما يعلمونه لأنّ ما هو كذلك محسوس مشاهد ، وضدّه ما كان خلفا وما كان بجانب اليمين والشمال يسهل أخذه وتناوله فلذا عبر به عما ذكر ، وقال بعض حكماء الإسلام إنه إشارة إلى القوى الأربع فما بين أيديهم وما خلفهم إشارة إلى القوّة المودعة في مقدّم الدماغ والمودعة في مؤخره وما بين أيديهم إشارة إلى الشهوة المودعة في الكبد وهو في اليمين وما خلفهم إلى الغضب في القلب وهو في اليسار . قوله : ( وإنما عدّى الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لخ ) هذا ما حققه الزمخشريّ وهو من أسرار العربية لأنّ اختلاف حروف التعدية مع المفعول به ، وفيه لقصد معان لاحظوها ينبغي التيقظ لها فإنه كما قال : لغة تؤخذ ولا تقاس وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط فلما سمعناهم يقولون جلس عن يمينه وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله قلنا معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه ، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونحوه من المفعول به نحو رميت عن القوس وعلى لقوس ومن القوس لأنّ السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ، ويبتدأ الرمي منها وكذلك قالوا جلس بين يديه وخلفه يعني في لأنهما ظرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول جثته من الليل تريد بعض الليل ، ولا مخالفة بينهما إلا في جعل من ابتدائية ، والزمخشريّ جعلها تبعيضية وأشار إلى أنّ فيها معنى الابتداء أيضا وقيل خص اليمين والشمال بعن كأنّ ثمة