وقت يعلم اللّه انتهاء أجله فيه وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي
أي بعد أن أمهلتني لأجتهدنّ في إغوائهم بأيّ طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية أو حملا على الغي ، أو تكليفا بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل
شرح
أيام التكليف فيكون قبل النفخة الثانية ، وقوله : لكنه محمول الخ على الاحتمال الأوّل ، وأما إن كان مراده تأخير العقوبة فالظاهر أنه أجيب لذلك . قوله : ( وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته ) ضمير إليه أمّا لما سأله أو ليوم الوقت المعلوم ، وهو دفع لما يخطر بالبال من أنه أجابه لسؤاله مع ما فيه من إفساد خلقه ، وقد تبع فيه الزمخشريّ وهو كما قال النحرير : كغيره مبنيّ على تعليل أفعاله بالإغراض وعدم إسناد القبائح والشرور إليه مع أنه ليس بشيء لأنّ حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجازه وهو أن في الإنظار منه ابتلاء امتحانا لا يدفع السؤال ولأنّ ما في متابعته من ألم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب ، بل لو لم يكن له الأنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن إلا الثواب كما للملائكة والأولى أن لا يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار ، ويفوّض حقيقتها إلى الحكيم المختار .
( أقول ) الظاهر أنّ الابتلاء هنا بمعنى جعلهم ذابلية ومشقة فليست حقيقته محالا عليه تعالى إذ ليس المراد الاختيار وكون أفعاله تعالى فيها حكم ومصالح مما لا ينكر ، فالظاهر عدم وروده على المصنف رحمه اللّه تعالى ، وإن ورد على الكشاف فلا تكن من الغافلين . قوله :
( أي بعد أن أمهلتني لأجتهدنّ في إغوائهم الخ ) بعدية الإمهال مأخوذة من الفاء والاجتهاد من قوله لأقعدنّ لهم الخ كما سيأتي ، وقوله : ( بسبب إغوائك ) إشارة إلى أنّ الباء للسببية وما مصدرية ، ولما أسند الإغواء وهو إيقاع ألغيّ أي الاعتقاد الباطل في القلب إلى اللّه والمعتزلة لا تجوّز إسناد القبائح إليه تعالى أوّلوه فتارة قالوا إنه قول الشيطان فليس بحجة ، وتارة بأنّ الإغواء بمعنى النسبة إلى الغيّ كأكفره إذا نسبه إلى الكفر ، أو المراد التسبب في الغيّ بما أمره به من السجود فهذه التأويلات المذكورة مذهبهم كما صرّح به في محل آخر ، فكان ينبغي أن لا يتبعهم هنا ويفسره بخلق الغيّ فيه أو يذكره أيضا ليكون على لمذاهب ، وقد قيل في دفعه إنه فهم هذا من السياق لأنّ المذكور هو الأمر بما يفضي إليه أو يجعل الإغواء بمعنى الترغيب لما فيه من الغواية ، والأمر هو لا يجوز من اللّه كما هو مراد اللعين من قوله لأغوينهم . قوله :
( تسمية ) المراد به الوصف والنسبة كما مر ، وقوله أو حملا أي خلق فيه من الأشياء ما حمله عليه أو تكليفا بما غويت وهو الأمر بالسجود فمعنى الإغواء إحداث سبب الغيّ وإيقاعه فالتجوّز في المسند لا في الإسناد . قوله : ( متعلقة بفعل القسم ) أي بسبب إغوائك أقسم بك أو بعزتك لأقعدنّ الخ ، فإن كان هو قسما أوّل بتكليفك إياي حتى يكون القسم به صفة من صفات الأفعال ، وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء عليه أحكام اليمين فيكون القسم تكرّر منه فتارة أقسم بهذا وتارة بالعزة ، وصدر لام القسم منعها عن عمل ما بعدها فيما قبلها