تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
التصديق
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ
أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
أسبابا تعيشون بها جمع معيشة ، وعن نافع أنه همزة تشبيها بما الياء فيه زائدة كصحائف
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
فيما صنعت إليكم
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصوّر ، ثم صوّرناه نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره أو ابتدأنا خلقكم ، ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ، ثم صوّرناه
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
شرح
( أسبابا تعيشون بها الخ ) معايش جمع معيشة ووزنها مفعلة ، وهي اسم لما يعاش به أي يحيي فهي في الأصل مصدر عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا ومعيشا ومعيشة ، والجمهور على التصريح بالياء فيها ، وروي عن نافع « معائش » بالهمزة فقال النحويون : إنه غلط لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة ، كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش حتى قال أبو عثمان : إنّ نافعا رحمه اللّه لم يكن يدري العربية وردّ هذا بأنّ العرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته ، وقد سمع عنهم هذا في مصايب ومناير ومعايش ، فالمغلظ هو الغالط والقراءة وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة عن الفصحاء الثقات ، وأما قول سيبويه رحمه اللّه إنها غلط فإنه عنى أنها خارجة عن الجادة والقياس ، وهو كثيرا ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى وإلى ما ذكر أشار المصنف رحمه اللّه ، وقليلا ما تشكرون تقدّم الكلام فيه ، وصنعت بمعنى أحسنت من الصنيعة وكأنه قال : فيما صنعت ولم يقل ما صنعت إشارة إلى تعذر الشكر لإفراد نعمه . قوله : ( أي خلقنا أباكم آدم طينا الخ ) لما كان أمر الملائكة بالسجود مقدّما على خلقنا ، وتصويرنا وقد عطف عليه بثم اقتضى تأويله فأوّلوه بوجوه ، منها أنّ المراد خلق آدم عليه الصلاة والسّلام وتصويره ولكنه لما كان مبدأ لنا جعل خلقه خلقا لنا ونزل منزلته فالتجوّز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم كجميع الخلق لتفرعهم عنه ، أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرّع عنه وتسبب وليس هذا من تقدير المضاف الذي ذهب إليه بعضهم لأنّ قوله نزل خلقه الخ يأباه ، وذهب الإمام رحمه اللّه إلى أنّ خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم صلّى اللّه عليه وسلّم وتصويره ، قيل وكلام المصنف رحمه اللّه يحتمله وليس بظاهر . قوله : ( أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم ) بأن خلقنا آدم ثم صوّرناه فالتجوّز في الفعل فالمراد بخلق الجنس ابتداء خلقه وابتداء خلق كل جنس بإيجاد أوّل أفراده ، وهو آدم صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو أصل البشر ، فهو كقوله :وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ[ سورة السجدة ، الآية : 7 ] وعلى هذين الوجهين يظهر العطف بثم والترتيب ثم أشار إلى جواب آخر استضعفه ، وهو أنّ ثم لترتيب الأخبار لا الترتيب الزمانيّ حتى يحتاج إلى توجيه والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغا غير مصوّرة ثم صوّرناكم ، ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ ، وقيل إنه للتراخي في الرتبة لأنّ كون أبينا مسجودا للملائكة أرفع درجة من خلقنا ثم تصويرنا . قوله :( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ )قيل الظاهر أن يقول ثم أمرن الملائكة بالسجود لآدم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما عدل عنه لأنّ الأمر بالسجدة كان قبل خلق آدم على ما نطق به قوله :فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ *
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 253 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي