العدل السويّ
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
حسناته أو ما يوزن به حسناته وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات ، وتعدّد الوزن فهو جمع موزون أو ميزان
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الفائزون بالنجاة والثواب
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
بتضييع الفطرة السليمة التي فطرت عليها ، واقتراف ما عرّضها للعذاب
بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
فيكذبون بدل
شرح
تعدّد أوزانها وموزوناتها وفي الكلام مضاف مقدّر أي كفة موازينه ، وقوله وجمعه بصيغة المصدر أو الماضي أي جعله جمعا ، وقوله فهو جمع موزون الخ لف ونشر مرتب للتفسيرين وهذا الوزن للمسلمين عند الأكثر ، وأما الكفار فتحبط أعمالهم على أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى :فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً[ سورة الكهف ، الآية : 105 ] وقيل إنها توزن أيضا وإن لم تكن راجحة ليخفف بها لهم العذاب عنهم ، وهو ظاهر النظم وكلام المصنف رحمه اللّه هنا لذكر الفطرة وهي الإسلام والتصديق والتكذيب المتبادر منه الإيمان والكفر وإن أمكن التعميم لما يشمله الإسلام من الأعمال الصالحة وجعل عدم العمل تكذيبا فتأمّله ، وبقي من تساوت حسناته وسيئاته مسكوتا عنه ، وهم أهل الأعراف على قول وقد يدرج في القسم الأوّل لقوله :خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[ سورة التوبة ، الآية : 102 ] وعسى من اللّه تحقيق ما صرّحوا به .
وأعلم أنّ الحافظ له تأليف مستقل في الميزان قال فيه إنهم اختلفوا في تعدّد الميزان ، وعدمه والصحيح الثاني والوزن بعد الحساب ، وأعمال الكفرة يخفف بها عذابهم كما ورد في حق أبي طالب وهو الصحيح كما قاله القرطبي ، وقال السخاوي : المعتمد أنه مخصوص بأبي طالب والمعتمد ما قاله القرطبيّ ، فلا وجه للتردّد فيه . قوله : ( بتضييع الفطرة السليمة الخ ) قيل المراد بها فطرة الإسلام لقوله في الحديث : « ما من مولود يولد على الفطرة الخ » « 1 » ويحتمل أنّ المراد الخير الذي هو أصل الجبلة فما بعده تفسير له فتأمّل . قوله : ( فيكذبون بدل التصديق ) ما مصدرية والباء جوّز فيها التعلق بخسروا وبيظلمون ، وقدّم عليه للفاصلة وعدّى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب نحو كذبوا بآياتنا أو الجحد نحو جحدوا بها ، وكلام المصنف يحتملهما فالفاء إما تفسيرية أو تعقيبية فمن قال إنه غفل عن معنى التضمين لم يصب وكذا من عين إرادته . قوله : ( مكناكم من سكناها الخ ) مكنا إن كان على ظاهره وحقيقته فمعناه جعلنا لكم فيها مكانا ، وسكنى وقرارا وإليه أشار المصنف رحمه اللّه بقوله من سكناها ، ويجوز أن يكنى به عن أقدرناكم على التصرف فيها بالملك أو الزراعة ، وأسباب التعيش ولما كانت الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة أدرج المصنف رحمه اللّه الثاني في الأوّل وصاحب الكشاف جعلهما وجهين متغايرين ، ولما كانت الحقيقة أولى وأنسب بهذا المقام ، وما عطف عليه قدمها فتدبر . قوله :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 1358 و 1385 و 4775 ومسلم 2658 وأحمد 2 / 282 من حديث أبي هريرة بأتم منه .