وحديثا ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب
تَماماً
للكرامة والنعمة
عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
على من أحسن القيام به ويؤيده ، أن قرىء على الذين أحسنوا أو على الذي أحسن تبليغه ، وهو موسى عليه أفضل الصلاة والسّلام ، أو تماما على ما أحسنه أي أجاده من العلم والشرائع أي زيادة على علمه إتماما له وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي على الذي هو أحسن أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه في الدين ، وهو عطف على تماما ونصبهما يحتمل العلة
شرح
لو كان ثم آتينا متراخيا في الإنزال لم يأت بشيء من عنده مع أنّ الألفاظ المنقضية تنزل منزلة البعيد كما مرّ في ذلك الكتاب فلا حاجة إلى أنّ التراخي في الإخبار باعتبار توسط جملة لعلكم تتقون بينهما ، وأما الترتيب الرتبي فأن يكون الثاني أعظم من الأوّل لأنّ التوراة المشتملة على الأحكام والمنافع الجمة أعظم من هذه الوصية المشهورة على الألسنة فاندفع إنّ إنزال التوراة تقدّم على هذه الوصية القرآنية ، وقوله قديما وحديثا إشارة إلى عدم الترتيب الزماني وإن صح التراخي باعتبار ابتدائها كما في سائر الأمور الممتدّة فلا يرد أنّ إنزال التوراة أعلى حالا من الوصية الواقعة هنا ، وفي الكشاف هذه التوصية قديمة لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم .
( قبل فيه بحث ) لأنّ المراد بالموصى بها إما مطلق بني آدم وخطاب وصاكم لهم أو الكفار المعاصرون له صلّى اللّه عليه وسلّم والخطاب لهم لا سبيل إلى الأوّل لأنّ الخطاب السابق واللاحق للمعاصرين كما لا يخفى ، ولا إلى الثاني لأنّ الوجه المذكور لصحة عطف الإيتاء على التوصية بثم لا يكون حينئذ مستقيما لأنّ الإيتاء حينئذ قبل التوصية بدهر طويل ، فظهر أن حمل ، ثم على التراخي الزماني بعيد ولعل المصنف تركه لهذا ، وليس بشيء مع التأمّل الصادق . قوله :
( للكرامة والنعمة ) قيل إشارة إلى أنه في موقع المفعول له وجاز حذف اللام لكونه في معنى إتماما ويحتمل أنه مصدر لقوله آتينا من معناه لأنّ إيتاء الكتاب إتمام للنعمة كأنه قيل أتممنا النعمة إتماما فتمام بمعنى إتمام كنبات في قوله تعالى :وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً[ سورة نوح ، الآية : 17 ] وقوله للكرامة مفعوله أو أصله إيتاء تمام أو هو حال كما سيأتي . قوله : ( على من أحسن القيام الخ ) هذا محصل ما في الكشاف بلا فرق قال النحرير يريد أنّ الذي أحسن إمّا للجنس أو للعهد والمعهود أما موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ففاعل أحسن ضمير موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ومفعوله محذوف يعود إلى الموصول ، وتماما على هذا حال من الكتاب وأما على قراءة أحسن بالرفع فخبر مبتدأ محذوف والذي وصف للدين أو للوجه الذي يكون عليه الكتب وتماما على الوجهين حال من الكتاب ، وعلى الذي في الوجه الأوّل متعلق به ، وهو بمعناه المصدري وفي الثاني مستقرّ حال بعد حال وتماما بمعنى تامّا أي حال كون الكتاب تامّا كائنا على أحسن ما يكون والأحسنية بالنسبة إلى غير دين الإسلام ، وغير ما عليه القرآن لقوله بعده وهذا كتاب الخ وقوله أي زيادة بيان لحاصل المعنى وليس لتضمين الزيادة حتى يتعدّى بعلى لأنّ الإتمام يتعدّى بها أيضا نحو وأتممت عليكم . قوله : ( ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر ) قيل قوله للكرامة يأبى