لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
استئناف للردّ عليهم بأن النبوّة ليست بالنسب والمال ، وإنما هي بفضائل نفسانية يخص اللّه سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده فيجتبى لرسالته من علم إنه يصلح لها ، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه ، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم رسالته
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ
ذل وحقارة بعد كبرهم
عِنْدَ اللَّهِ
يوم القيامة وقيل تقديره من عند اللّه
وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما
شرح
لغو من الكلام لا يفيد ، وجعل أصل الكلام أكابر المجرمين فأضيف إلى ضمير القرية لزيادة الربط تكلف مستغنى عنه ، فتعين أن يكون متعدّيا لواحد بمعنى مكناهم لأن معنى جعل زيد في البيت إسكانه وتمكينه فيه وكأنه معنى مجازي ، وقس عليه جعل جعل بمعنى خلق ومنه يعلم ما وقع في بعض الحواشي ، وقوله إذا أضيف يعني لمعرفة وهو الواقع وترك التصريح به لأنه معلوم ، وقال النحرير : قيل في كل قرية أكابر مفعولا جعلنا ومجرميها بدل أو مضاف إليه بدليل قراءة أكبر مجرميها ، وقيل أكابر مجرميها مفعولاه بتقديم الثاني وفي كل قرية لغو ، والذي يقتضيه النظر الصائب ، والتأمّل الصادق إنّ في كل قرية لغو وأكابر أوّل وليمكروا ثان انتهى .
قوله : ( زاحمنا بني عبد مناف ) يعني نافسناهم في الشرف ، وقوله : ( كفرسي رهان ) هو مثل يضرب للتساوي ولما كان فرسا الرهان لا يلزمهما التساوي إذ قد يسبق أحدهما فسره في النهاية بقوله سابقان إلى غاية ، وقال غيره المراد التشبيه باعتبار ابتداء الجري والخروج للرهان لا باعتبار النهاية . قوله : ( استئناف للردّ عليهم الخ ) أي جواب سؤال نشأ من قولهم لن نؤمن الخ أي فما كان جواب الباري تعالى لهم قوله : ( وإنما هي بفضائل ) الخ في المواقف لا يشترط في الإرسال استعداد ذاتي بل اللّه يختص برحمته من يشاء ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالاته فقيل عليه دلالة الآية على الاستعداد أظهر لما روي عن أبي جهل ولما ذكره المصنف رحمه اللّه ، وهذا لا يستلزم الإيجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه إن شاء أعطى النبوّة وإن شاء أمسك وإن استعدّ المحل .
( قلت ) مراد صاحب المواقف أيضا بالاستعداد الذاتي الموجب لأنّ عادته تعالى أن يبعث من كل قوم أشرفهم وأطهرهم جبلة فلا يرد عليه ما ذكر ، ثم إنّ قوله أعلم بالمكان يريد أنّ حيث خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها ، ولا عبرة بمن أنكره فهي مفعول به وناصبه فعل مقدّر أي يعلم وترك التنبيه عليه اعتمادا على ما سبق فلا يرد عليه أنه يقتضي نصب أفعل التفضيل للمفعول به كما توهم وفي كتاب الشعر لأبي عليّ رحمه اللّه تعالى الجملة بعد حيث إذا وقعت مفعولا به صفة ، والمعنى حيث يجعله أي يجعل فيه قيل ، وعبارة المصنف رحمه اللّه تدلّ عليه ، ويحتمل الإضافة أيضا ، وقال الرضي : والأولى أنه مضاف ولا مانع من إضافته وهو اسم إلى الجملة وفيه بحث ، وقال ابن الصائغ : ولا يصح في حيث هنا الجرّ بالإضافة لأن أفعل بعض ما يضاف له ولا نصبه بأفعل نصب الظرف لأنّ علمه تعالى غير مقيد بالظرف ، وردّ بأنه يجعل تقيده به مجازيا باعتبار ما تعلق به ، وهو أولى من إخراجه عن الظرفية فإنه ممتنع أو