تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
سبحانه وتعالى بعلم أهل الكتاب به لتصديقه ما عندهم مع أنه عليه الصلاة والسّلام لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم وإنما وصف جميعهم بالعلم لأنّ أكثرهم يعلمون ، ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمّل ، وقيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب ، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم منزل بالتشديد
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
في أنهم يعلمون ذلك أو في أنه منزل بجحود أكثرهم ، وكفرهم به فيكون من باب التهييج كقوله :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ سورة الأنعام ، الآية : 14 ] أو خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لخطاب الأمة ، وقيل الخطاب لكل أحد على معنى أنّ الأدلة لما تعاضدت على صحته فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
بلغت الغاية أخباره ، وأحكامه ومواعيده
مُصَدِّقُ الَّذِي
في الإخبار
شرح
شأني وشأن غيري إلا اللّه الذي نزل الكتاب لذلك وإنما يحكم له بصدق مدعاه بالإعجاز فإنهم لما طعنوا في نبوّته ، وأقسموا أنهم إن جاءتهم آية آمنوا بين اللّه أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره بأن يوبخهم وينكر عليهم بقوله أفغير اللّه الخ أي أأعدل عن الطريق المستقيم فأخص غيره بالحكم ، وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحكم وألزمكم الحجة يكفي به حاكما بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والعدل والنبوّة والإخبار إلى غير ذلك مما هو كالعقد المفصل الذي أعجزكم عن آخركم فأجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فبكتهم على أحسن وجه ، وضم إليه علم أهل الكتاب فقوله ينفي التخليط والالتباس مأخوذ من كونه مفصلا وكونه معجزا مأخوذ من كونه مغنيا عما عداه في شأنه وشأن غيره كما مرّ . قوله : ( بعلم أهل الكتاب ) جارّ ومجرور متعلق بتأييد ، وبه متعلق بعلم أي بحقيته ، ولتصديقه علة العلم ووجه التأييد ظاهر ، والفرق بين أنزل ونزل مرّ تحقيقه وأنّ الأوّل دفعيّ والثاني تدريجيّ وهو أكثري والقراءة بهما هنا تدلّ على قطع النظر عن الفرق وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى سماء الدنيا ، ثم إنزاله إلى الأرض لأنّ إنزاله دفعة إلى السماء لا يعلمه أهل الكتاب . قوله : ( في أنهم يعلمون ذلك الخ ) لما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يمتري في حقيته أجابوا عما اقتضاه ظاهر النظم بأربعة أوجه ، الأوّل هذا وهو أنّ المراد امتراؤه في علم أهل الكتاب بذلك ، ولعله قبل إعلام اللّه له إذ بعده لا امتراء فيه أيضا ولو قدّم قوله بجحود أكثرهم كما في الكشاف ليبين سبب امترائه في علمهم لكان أولى ، وقوله : ( من باب التهييج ) جواب ثان أي ليس المراد حقيقته بل تهييجه وتحريضه على ذلك ، وقوله : ( أو خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) جواب آخر أي أن الخطاب لأمته على طريق التعريض ، وقوله : ( وقيل الخطاب لكل أحد ) جواب رابع والمراد كل أحد ممن يتصوّر منه الامتراء لما تقرّر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يكون لغيره كما في قوله ولو ترى إذ المجرمون فلا يرد ما قيل : إن جعل الخطاب لعموم الناس يحتاج إلى جعل العموم لما سواه أو جعل خطابه للتهييج ، فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز إلا أن يجعل النهي كناية عن أنه لا ينبغي لأحد أن يمتري فيه ، وإليه يشير قوله : ( فلا ينبغي الخ ) مع أنّ الظاهر أنه جمع بين مجازين لا بين مجاز