تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
يحيط علمه بها
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار ، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف ، وهو يدرك
شرح
ولا دوام ، ولما كان عموم الأوقات وعموم الأحوال متلازمين لم نجعلهما جوابين . قوله : ( فإنه في قوّة قولنا لا كل بصر الخ ) يعني الألف واللام للاستغراق والنفي لسلب العموم واحتمال الثاني لا يضرنا لأنه يكفي الاحتمال الأوّل في إبطال الاستدلال ، ثم تنزل عن منع الكلية فقال مع أن النفي لا يوجب الامتناع ، وقيل عليه لا يخفى إنّ حديث التمدّح يدفعه ( قلت ) ليس هذا بمسلم عندنا ، وكيف يتمدّح بنفي ما أثبته الكتاب والسنة بل إنما ذكر للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر كما أشار إليه الطيبي ، وقد روي في تفسير الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة . قوله : ( يحيط علمه بها ) قيل الأنسب بالمقام إنه علم بطريق الرؤية ، ويجوز تعميمه أيضا . قوله : ( فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار ) فهذه الجملة سيقت لوصفه تعالى بما تضمن تعليل قوله وهو يدرك الأبصار فقط على هذا الوجه ، ثم إنّ المراد بالإبصار هنا النور الذي يدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى ، أو يقال المراد أنّ كل عين لا ترى نفسها ووقع في نسخة بدل كالإبصار بالإبصار على صيغة المصدر . قوله : ( ويجوز أن يكون من باب اللف الخ ) فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه مدركا بالكسر ، وبقوله فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف فشبه به الخفيّ من الإدراك اندفع ما قيل إنّ المناسب لعدم الإدراك اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا ، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة هنا ، وفي شرح الأسماء الحسنى لمحمد البهائيّ اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والآخرة ، وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، واللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء ، هيأ مصالح الناس من حيث لا يشعرون وأخفى لهم لطفه من حيث لا يعلمون ، وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف ، ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكنافة ، وهو وإن كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم ، لأن الجسمية يلزمها الكنافة وإنما لطافتها بالإضافة فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجلّ عن إدراك البصائر فضلا عن الإبصار ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار ، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والإشكال ، فإنّ كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق ، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف بالنسبة إليه بالكنافة انتهى . وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمّله ، والخبير للمبالغة فيه يكون علة ، والمقام وإن اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف والتعليل الذي أشار إليه المصنف