دلّ عليه مبارك أي للبركات ولتنذر أو علة المحذوف ، أي ولتنذر أهل أمّ القرى أنزلناه ، وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبل أهل القرى ، ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنا ، وقيل : لأن الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس ، وقرأ أبو بكر
شرح
يعني التوراة خصها لأنها أعظم كتاب نزل قبله ، ولأنّ الخطاب مع اليهود أو الكتب التي قبله فهو أعمّ شامل لها ولغيرها ومعنى كونها بين يديه أنها متقدّمة عليه لأنّ كلّ ما كان بين اليدين فهو كذلك . قوله : ( عطف على ما دلّ عليه مبارك الخ ) في الكشاف معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب كأنه قيل أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدّمه من الكتب والإنذار ، وقال النحرير : لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز أن يكون عطفا على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار ، ومثل هذا أعني عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير وقيل الداعي إلى هذا التكلف أنه رأى الصفات السابقة عراة عن حرف العطف ليتلاءم أطراف الكلام ولا ينفك النظام ، فلما جيء به مقترنا بالعطف اقتضى حسن التوجيه أن لا يحمل على الوصف بل على العطف على محذوف وله غير نظير في القرآن سيما في هذه السورة كما مرّ ، وليس بشيء وإن ارتضاه بعضهم لأنه يقتضي أنّ الصفات إذا تعدّدت ولم يعطف أوّلها يمتنع العطف في آخرها أو يقبح ، وليس كذلك بل الواقع المصرّح به خلافه كقوله تعالى :عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً[ سورة التحريم ، الآية : 5 ] فعطف قوله وأبكارا مع ترك العطف في الصفات السابقة لكنه لنكتة يمكن اعتبار ما يضاهيها هنا ، مع أنّ ما ذكره لازم على الوجه الثاني وهو قوله أو علة لمحذوف الخ لأنّ جملة وأنزلناه لتنذر معطوفة على أنزلنا الواقع صفة فالظاهر أنّ الحامل على هذا أنّ اللفظ والمعنى يقتضيه أمّا المعنى فلأنّ الإنذار علة لإنزاله كما قال اللّه تعالى :وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ[ سورة الأنعام ، الآية : 19 ] ولو عطف لكان على أوّل الصفات على القول الأصح ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجارّ والمجرور على الجملة الفعلية لأنه نظير هذا رجل أقام عندي وليخدمني ولا يخفى قبحه ، ومنه يعلم الحامل اللفظي ، وليس تقديم الجارّ فيه للحصر لأنه فهم من الجملة السابقة علة أخرى ككثرة البركة بل للاهتمام لأنّ الإنذار مقتضى المقام أو الحصر إضافيّ ، ويصح أن يقدّر لتبشر ولتنذر . قوله : ( وإنما سميت الخ ) وجه الأوّل أنهم يجتمعون عندها كتجمع الأولاد عند الأمّ المشفقة ، ووجه قوله أعظم القرى شأنا أنّ غيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ووجه قوله لأنّ الأرض الخ ، يعني أنها أخرجت من تحتها كما يخرج الأولاد من تحت الأمّ وأيضا فالناس يرجعون إليها كما ترجع الأولاد إلى الأمّ ، وإليه أشار الزمخشريّ في شعر له رويناه في ديوانه من قوله :أنا جار بيت اللّه مكة مركزي * ومضرب أوتادي ومعقد أطنابيفمن يلق في بعض القريات رحله * فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابيوإليه أشار المصنف رحمه اللّه بقوله قبلة أهل القرى ومحجهم ، ومنتابي بمعنى مرجعي