مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ
وقراءة الجمهور
تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً
وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمر وحملا على قالوا ، وما قدروا وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمّهم على تجزئتها بإيداء بعض ما انتخبوه ، وكتبوه في ورقات متفرّقة وإخفاء بعض لا يشتهونه روي أنّ مالك بن الصيف ، قاله لما أغضبه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إنّ اللّه يبغض الحبر السمين » قال : نعم قال : « فأنت الحبر السمين » ، وقيل هم المشركون وإلزامهم
شرح
بها فكلامهم مبالغة على طريق الكناية أو أنه كان لذهول من الغضب والتهوّر كما روي عن ابن الصيف . قوله : ( وقراءة الجمهور ) بالجر قيل الذين يجعلون التوراة كذلك هم اليهود لا قريش ، وأمّا على قراءة الياء التحتية فيكون التفاتا جعلوا غيبا لشناعة ارتكاب ذلك الفعل وليس اعتراضا بأنّ قراءة الياء لا تخرجه عن الاستدلال لأنّ ذلك الفعل ، إنما صدر منهم وأنّ المصنف رحمه اللّه أيضا قصد التعريض بالاعتراض على تخصيص الزمخشريّ الاستدلال بقراءة الخطاب كما قيل فإنّ مراد العلامة إنّ قراءة الخطاب ، أظهر في ذلك لدلالتها بالمعنى والصيغة . قوله :
( وتضمن ) وفي نسخة وتضمين وهو معطوف على نقض ، وهو دليل آخر لأنه لو كان جوابا لكفار قريش لم يكن ما ذكر من التوبيخ في موقعه لأنهم لا يوبخون بفعل غيرهم فهو دليل على أنه جواب ، وخطاب لهم فيكون القول الأوّل منهم ، ومن لم يتفطن لهذا قال إنه عطف على قراءة الجمهور لا على إنه دليل آخر أوله مدخل فيه وإن أوهمه ظاهر العبارة ، وكيف يعطف على الدليل ما ليس بدليل ، وفي نسخة تضمن على المضيّ فلا يكون من الدليل ويكون كقوله في الكشاف وأدرج تحت الإلزام توبيخهم انتهى ، وتوبيخهم مفعول تضمن وذمهم بصيغة المصدر معطوف عليه والمراد بالحمل الحفظ من غير عمل كقوله تعالى :مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها[ سورة الجمعة ، الآية : 5 ] الآية . قوله : ( روي ) هذا الحديث « 1 » أخرجه ابن جرير والطبرانيّ عن سعيد بن جبير ، والصيف بالصاد المهملة كضد الشتاء ، والحبر بكسر أوّله وفتحه العالم الفصيح وليس حينئذ من إسناد ما صدر من البعض ، إلى الكلّ إذا أريد به إنكار بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم مبالغة ويكون منه إن أريد ظاهره ، وليس إسناده إليهم لأنهم رضوا به لأنّ تمام الحديث يدلّ على خلافه كما سيأتي إذ لا يلزم ذلك في هذا الإسناد ولو سلم فجعله رئيسا لهم في حكم الرضا بما يقوله ، ويفعله وحينئذ فاللوم والتوبيخ لمالك حين جسر على مثله ، وإن لم ينكر نزول التوراة في الحقيقة أو جعل عدم العمل والرضا بما فيها بمنزلة إنكارها ، قيل وهذا الوجه لا يلائم لومهم وإلزامهم بإنزال التوراة على موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لا سيما بعد أن قال هذا القائل ، إنما صدر هذا عني من الغضب ثم إنّ النحرير جعل قوله روي الخ جوابا مستقلا حيث قال إنّ
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 13539 عن سعيد بن جبير مرسلا دون قول مالك بن الصيف « نعم » .
وذكره السيوطي في أسباب النزول 440 عن سعيد بن جبير بلا سند .