تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الخبر ، وصيانة للرّب عن شبهة التأنيث
هذا أَكْبَرُ
كبره استدلالا وإظهارا لشبهة الخصم
فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
من الإجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وإنما احتج بالأفول دون البزوغ أنه أيضا انتقال لتعدّد دلالته ، لأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ
وخاصموه في التوحيد
قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ
في وحدانيته سبحانه وتعالى ، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون
وَقَدْ هَدانِ
إلى توحيده
وَلا أَخافُ ما
شرح
ثم إنّ النفس ألفت أخذ المعاني من الألفاظ حتى إذا تصوّرت شيئا لاحظت ما يعبر به عنه في ذلك التخاطب وتخيلت أنها تناجي نفسها به كما قاله الرئيس في الشفاء ، فإذا اشتهر التعبير عن شيء بلفظ مذكر أو مؤنث لوحظ فيه ذلك وإن لم يطلق عليه ذلك الاسم وقت التعبير والإشارة ، كما في قوله تعالى :حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ[ سورة ص ، الآية : 32 ] فحيث خولف ذلك المقتضى احتاج إلى عذر وتأويل كما حققه السيد قدّس سرّه في ألم ذلك الكتاب وبعضهم ذكره هنا من عنده زاعما أنه من نتائج أفكاره وأمّا كون لغته لا تأنيث فيها فلا وجه له لما علمت أنّ العبرة بالحكاية لا المحكي ، ألا ترى إنه لو قال أحد الكواكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته ، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية مع أنه مبنيّ على أنّ إسماعيل عليه السلام أوّل من تكلم بالعربية والصحيح خلافه . قوله : ( وصيانة للرب عن شبهة التأنيث ) قيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر أو لأنه لا يفرق في غير لغة العرب بين المذكر والمؤنث في الإشارة فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللغة في مقام الحكاية ، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار ، وأمّا ما قيل وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث فيرد عليه إنّ هذا في الرب الحقيقي مسلم ، وردّ بأنّ مراد القائل ما ذكره هذا الفاضل بقوله ويحتمل الخ والحكم بالوجوب بالنظر إلى اقتضاء المقام فلا يرد عليه شيء ، وأجيب أيضا بأنه على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر وعلى المسلك الآخر إظهارا لصونه ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم إصغائهم ، وقوله : ( من الإجرام الخ ) إشارة إلى أنّ ما موصولة ويصح جعلها مصدرية ، وقوله : ( ومخصص الخ ) أي يخصصها بصفاتها كالبزوغ والأفول . قوله : ( لتعدّد دلالته ) لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب ولكل منهما دلالة كما عرفت ، والبزوغ وإن كان انتقالا مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال ، وقيل عليه إنّ البزوغ أيضا انتقال مع احتجاب إلا أنّ الاحتجاب في الأوّل لاحق وفي الثاني سابق ، وإما إنّ جوابه يؤخذ مما بعده وهو رؤيتها في وسط السماء فلا يشاهد البزوغ حتى يستدل به فلا يخفى ما فيه ، فليتأمّل . قوله : ( وخاصموه في التوحيد ) أي تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد ، وأخرى بالتخويف فأشار إلى جواب كل منهما وإليه