تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق ، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه ، وتنبيها لهم على أنّ القمر أيضا لتغير حاله لا يصلح للألوهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي
ذكر اسم الإشارة لتذكير
شرح
الضوء ، وأصله في بزوغ الناب لظهوره ، وبزغ البيطار الداية أسال دمها فبزغ هو أي سال فشبه هذا به قاله الراغب رحمه اللّه . قوله : ( فلما أفل ) قيل كان غاب عن نظره ولم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء الجبل ثم طلع منه ، أو في جانب آخر لا يراه ، وإلا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس ، وقيل فيه بحث إذ يجوز أن يكون الجبل في طرف المغرب ، والذي ألجأهم إلى هذا التعقيب بالفاء ، ويمكن أن يكون تعقيبا عرفيا مثل تزوّج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء ، كان استدلالا أو وضعا ، واستدراجا لا إنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكره إذا كان كوكبا مخصوصا وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمّل . قوله : ( استعجز نفسه الخ ) أي أظهر العجز صورة ، وقوله إرشاد إشارة إلى أنّ هذا القول ليس بمرضي عنده ، وهو الحق الحقيق بالقبول والنظم ناطق به كما بين في شروح الكشاف ، لأنّ قوله لئن لم يهدني ربي وقوله يا قوم إني بريء مما تشركون يدلّ على أنه كان مع قومه ، وكان محاجا لهم مشافهة والمجموع دليل لمكان التعريض بدليل قوله لأكونن من القوم الضالين ، ثم الجملة القسمية تدلّ على أنّ الكلام مع منكر مبالغ في الإنكار فلا يناسب فرض التردّد في نفسه على أنّ قوله ربي صريح في اعترافه بأنّ له ربا يعرفه ويعبده ، وما قيل من أنه استعجز نفسه فاستعان بربه في درك الحق وقوله :إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَإشارة إلى حصول اليقين من الدليل فخلاف الظاهر على أنّ حصول اليقين من الدليل لا ينافي محاجته مع قومه كما في الكشف فقد علمت أنّ في كلام المصنف رحمه اللّه نبوة من الظاهر لكن ينبغي أن يقاد إليه بزمام العناية بما مرّ ، وفي الانتصاف إنما عرّض بضلالهم في أمر القمر لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب ، ولو قال في الأوّل لما أصغوا ولما أنصفوا ، ثم صرّح في الثالثة بالبراءة لما تبلج الحق وظهر غاية الظهور ، وهم في ظلمات العمى والعناد . قوله : ( له ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر الخ ) قال بعض المتأخرين ما نصه بعد ما حكى كلام المصنف والكشاف لا حاجة إلى هذا التكلف لأن الإشارة إنما هي إلى الجرم ولا تأنيث فيه وإنما التأنيث بحسب اللفظ وليس في ذلك المقام لفظ الشمس فإنه في الحكاية لا المحكي انتهى ، وقد سبق إلى هذا أبو حيان رحمه اللّه فقال يمكن أن يقال إنّ أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر ، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر سواء عندهم فأشار في الآية إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم وحين أخبر تعالى عنها بقوله : بازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية انتهى ، وهذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فكونه يعطي حكم كلام العجم فلا وجه له وإن ظنوه شيئا ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 137 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي