عن عبادتهم فإنّ الانتقال والاحتجاب بالاستار يقتضي الامكان ، والحدوث وينافي الألوهية
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
مبتدئا في الطلوع
قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
شرح
والأرض وليكون من الموقنين أو تراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال هذا ربي معتقدا له هذا لا يكون أبدا بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ، ويغرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه إذ كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ، وقال الإمام السبكي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية قد تكلم الناس فيها كثيرا ، وفهمت منها أنّ ذلك تعليم منه سبحانه لإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم طريق الحجة على قومه فأراه ملكوت السماوات والأرض ، وعلمه كيف يحاجهم ويقول لهم إذا حاجهم في مقام بعد مقام إلى أن يقطعهم بالحجة ولا يحتاج مع هذا إلى أن يقال ألف الاستفهام محذوفة ويؤخذ منه أنّ القول على سبيل التنزل ، وليس اعترافا وتسليما مطلقا وقولنا على سبيل التنزل معناه أنّ الخصم ينطق به لينظر ما يترتب عليه ، وهذا الذي فهمت أقرب ما قيل فيها ويرشد إليه صدر الآية وعجزها أي قوله وكذلك نرى إبراهيم الآية ، وقوله :وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ[ سورة الأنعام ، الآية : 83 ] على قومه انتهى وهذا هو الحق فالنظم دالّ على خلاف الوجه الثاني . قوله : ( فضلا عن عبادتهم ) هذا إمّا إشارة إلى عدم العبادة بالبرهان أو إشارة إلى أنه كني بعدم المحبة عن عدم العبادة ، لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى وهما متقاربان ، والزمخشريّ قدّر مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين ، والتعليل بقوله فإنّ الخ للازم المنطوق المراد منه فلا يرد عليه أنه لا يصح أن يكون تعليلا لعدم المحبة بل لترك العبادة وقد بناه على عدم المحبة . قوله : ( والاحتجاب بالاستار الخ ) لا يوصف اللّه بأنه محجوب ، قال القاضي رحمه اللّه : في الشفاء ما في حديث الإسراء من ذكر الحجاب في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون ، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر محسوس ، ولكنه حجب على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم للأجرام المحدودة ، واللّه سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ، فهو تمثيل لمجرّد منعه الخلق عن رؤيته ، أو هو في حق المخلوق ، وقال الشريف قدّس سره : في الدرر والغرر العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب ، ويقولون لما يستصعب طريقه بيني وبينك كذا حجبا وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك ، فهو مجاز في المفرد عنده ، وفي حكم ابن عطاء اللّه الحق ليس بمحجوب إنما يحجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر ، وهو القاهر فوق عباده فتدبره ، وقيل : إنّ قوله يقتضي الإمكان والحدوث لف ونشر غير مرتب لأنّ الانتقال حركة ، وهي حادثة فيلزم حدوث محلها ، والاحتجاب اختفاء يستتبع إمكان موصوفه ومن هاهنا ظهر ضعف ما قيل إنّ الاستدلال بحدوث الجواهر دون إمكانها طريقة الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم وهو منقول عن جملة أهل الكلام وهم يقولون إنه من صفات الإجرام المحدودة المتحيزة ، وهو يستلزم الحدوث فلا يرد عليهم ما ذكره فتأمّل ، وبزوغ القمر طلوعه منتشر