فنزلت
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً
استئناف بتفسير الرحمة ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها
بِجَهالَةٍ
في موضع الحال أي من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضارّ ، والمفاسد كعمر فيما أشار إليه أو ملتبسا بفعل الجهالة فإن ارتكاب ما يؤدّي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل
ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ
بعد العمل أو السوء
وَأَصْلَحَ
بالتدارك ، والعزم على أن لا يعود إليه
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فتحه من فتح الأوّل غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر أي فأمره أو فله غفرانه
وَكَذلِكَ
ومثل ذلك التفصيل الواضح
نُفَصِّلُ الْآياتِ
أي آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين
شرح
على هذه الآية وفي هذه الآية دليل على إطلاق النفس على اللّه من غير مشاكلة كما تقدّم . قوله :
( استئناف ) لمّا نحويّ أو بيانيّ ، كأنه قيل وما هي وفي قراءة الفتح وجوه منها ما ذكره ، وقيل إنه على تقدير اللام وقيل إنه مفعول كتب والرحمة مفعول له وقوله كعمر إشارة إلى ما روي سابقا وأشار بمعنى رأى ذلك رأيا وروي أنه رضي اللّه عنه بكى عند نزولها وقال معتذرا ما أردت إلا خيرا « 1 » . قوله : ( في موضع الحال الخ ) الجهل له معنيان كما في الكشاف عدم العلم بالشيء أو بعاقبته والمخاطرة من غير نظر إلى العواقب كما في قوله :ونجهل فوق جهل الجاهليناولذا تمتدح به العرب فعلى الأوّل المراد بها الهالة بمضارّ ما يفعله ، وعلى الثاني السفه من غير تقديره فعول وقوله وأصلح آي في توبته بأن أتى بشروطها ولذا ذكر العزم على عدم العود مع أنه لا بدّ منه في التوبة ، قيل وهذه الآية سيما على الوجه الثاني تقوّي مذهب المعتزلة حيث ذكر في مقام بيان سعة الرحمة أنّ عمل السوء إذا قارن الجهل ثم حصلت التوبة والإصلاح فإنه يغفر ولذا قيل : إنها نزلت في عمر رضي اللّه عنه لما قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أجبتهم لما قالوا لعل اللّه يأتي بهم » قاله حين لم يعلم المضرّة وتاب وأصلح وأورد عليه أنه تقرّر في الأصول أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول الآية في حق عمر رضي اللّه عنه لا يدفع الإشكال ( قلت ) يريد أنّ اللفظ ليس عامّا وخطاب منكم لمن كان في تلك المشاورة والعامل لذلك منهم عمر رضي اللّه عنه فلا إشكال ، وفسر ضمير بعده بالعمل أو السوء ولو فسره بالجهالة الملتبسة بالسوء كان أظهر ، وقوله : ملتبسا بفعل الجهالة إشارة إلى أنه حال مؤكدة حينئذ . قوله : ( فتحه من فتح الأوّل غير نافع الخ ) ذكر فيها وجوه منها ما ذكره المصنف ، ومنها أنها منصوبة بفعل مقدّر أي فليعلم أنه ، وقيل إنها تكرير للأولى للتأكيد وطول العهد ، والجواب محذوف وهو بعيد ، وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية ، وهي قراءة الأعرج والزهراوي وأبي عمر والداني ولم يطلع على ذلك أبو شامة رحمه اللّه فقال : إنه محتمل إعرابي وإن لم يقرأ به وليس كما قال . قوله : ( وكذلك نفصل ) قد مرّ الكلام على ذلك وقوله
هامش
( 1 ) انظر أسباب النزول للواحدي 434 م .