لما بعدهم دوننا ، ونحن الأكابر والرؤساء ، وهم المساكين والضعفاء وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه واللام للعافية أو للتعليل على أنّ فتنا متضمن معنى خذلنا
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
بمن يقع
شرح
لوصفهم بذلك وجعله سمة لهم لعدم اعترافهم بذلك واعتقادهم أنهم ليس عليهم آثار النعمة وهذا نحو ما قرّره الخطيب في قوله :إن الذين ترونهم إخوانكم * يشفى غليل صدورهم إن تصرعواوليس مراده بيان التقدير والإعراب ليتقدّم الخبر على المبتدأ فيفيد الحصر حتى يرد عليه أنّ المعنى على إنكار أن يكونوا مختصين بإصابة الحق دونهم كما قرّره ، وإذا كان المعنى على ما ذكره يكون هناك من أنعم اللّه عليهم من بينهم يعرفونهم بكونهم كذلك ، ولكن ينكر المتكلم أن يكونوا هؤلاء الفقراء وهو غير المعنى المراد ، وإنّ معنى الحصر مستفاد من قوله بيننا فإنه في موضع الحال من الضمير المجرور أي منفردين من بيننا ، ولم يدر أنّ ما توهمه غير صحيح لفظا لأنّ المبتدأ والخبر إذا تعرّفا لم يجز تقديم الخبر فيه للبس مع ما في حذف الموصول وإبقاء صلته من الضعف وإن جوّزه بعض النجاة كما في الدرّ المصون ، لكني أظنّ أنّ هذا التكلف لم يخطر ببال المصنف رحمه اللّه . قوله : ( واللام للعاقبة الخ ) قيل إنّ ما يترتب على فعل الفاعل من حيث ترتبه عليه فائدة ومن حيث وقوعه في طرفه غاية ، ومن حيث كونه باعثا عليه غرض بالنسبة إلى الفاعل وعلة غائية بالنسبة إلى الفعل ، ولأفعاله تعالى فوائد وغايات لأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض لما برهن عليه في الكلام ، ثم إنه قد تشبه الغاية بالعلة الغائية من حيث إنها عاقبة له فتستعمل فيها اللام التعليلية على نهج الاستعارة التبعية ، كاللام الداخلة على ثمرات أفعاله المسماة بالحكم ، وليست هذه لام العاقبة عند الزمخشريّ ومن تابعه ، وفي شرح المقاصد أنّ لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعور بالترتب وقت الفعل أو قبله فيفعل لغرض ، ولا يحصل له ذلك بل ضدّه فيجعل كأنه فعل الفعل لذلك الغرض الفاسد تنبيها على خطئه ، ولا يتصوّر هذا في كلام علام الغيوب بالنظر إلى أفعاله ، وإن وقع فيه بالنظر إلى فعل غيره كقوله :لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً[ سورة القصص ، الآية : 8 ] إذ ترتب فوائد أفعاله تعالى عليها تنبيه على العلم التامّ فبينهما مباينة ولم يعتبر ابن هشام وغيره فيها هذا القيد وجعلها لا ما تدلّ على الصيرورة والمآل مطلقا فيجوز أن تقع في كلامه تعالى وعليه المصنف ، والفرق بين لام العاقبة وهذه في كلامه تعالى من حيث إنّ ترتب الفائدة في الأولى لمجرّد الإفضاء لا السببية والاقتضاء بخلاف الثانية ، ولهذا كانت لام عاقبة إن لم يرد الخذلان على طريقة المصنف رحمه اللّه ، وسيأتي الكلام عليه قريبا وهذا مما منّ اللّه به وينبغي للطالب حفظه . قوله : ( أو للتعليل على أنّ فتنا متضمن معنى خذلنا ) الخذلان تركه على ما هو فيه من الغواية من غير إرشاد وإغاثة فالفتن متضمن معنى الخذلان لأنه سبب لافتتانهم وهو سبب لذلك القول أو هو من إطلاق المسبب على السبب واللام في هذا للتعليل لأنه سبب مقتض له ، وإن لم يكن باعثا عليه وعلى ما قبله كان ابتلاء بعضهم ببعض لما مرّ مؤدّيا إلى