وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ففعل فتنازع القوم ، وتفاخروا وتغاضبوا ، وقالوا : السلاح السلاح ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم فتوجه إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وقال :
« أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم اللّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم » فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح ، واستغفروا وعانق بعضهم بعضا ، وانصرفوا مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما خاطبهم اللّه بنفسه بعدما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم ، وإشعارا بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم اللّه ، ويكلمهم
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
إنكار وتعجيب لكفرهم في حال اجتمع لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ
ومن يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في مجامع أموره
فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ
شرح
عبيد بغاث بالغين المعجمة ، وقال ابن الأثير : أعجمها الخليل أيضا لكن جزم أبو موسى في ذيل الغريب وتبعه صاحب النهاية بأنه تصحيف وإنما البغاث ضعاف الطير كما في المثل ، إنّ البغاث بأرضنا يستنسر وخبره كما في كامل ابن الأثير أنّ قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على الموازرة والتناصر واستحكم أمرهم فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وأرسلت لحلفائها من أشجع وجهينة وأرسلت الأوس لحلفائها من مزينة والتقوا ببعاث هي من أموال بني قريظة وعلى الأوس حضير والد أسيد الصحابيّ رضي اللّه عنه وعلى الخزرج عمرو ابن النعمان فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا وصبروا جميعا ، ثم إنّ الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزمين فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح واعقراه واللّه لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعطفوا عليه ، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج سهم فقتله وانهزمت الخزرج فوضعت فيهم الأوس السلاح فصاح صائح يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب فانتهوا عنهم ، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله ، وقيل : في ذلك أشعار وهي التي أشار إليها بقوله :
( وينشدهم الخ ) وقوله : ( السلاح السلاح ) بالنصب على الإغراء أي خذوا السلاح . قوله :
( أتدعون الجاهلية ) كذا في الكشاف وهو بالتخفيف لا بالتشديد من الدعوى كما توهم أي تدعون دعوى الجاهلية وهي قولهم يا لكذا يا لثارات كذا وليس هذا اللفظ تحريفا كما قيل إنّ الواقع في الحديث : « أتديمون الجاهلية » « 1 » فحرّفه الزمخشريّ وتبعه المصنف فهو إمّا رواية أخرى أو نقل بالمعنى ومثله سهل ، وقوله : خاطبهم اللّه بنفسه فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بتقدير قل لهم . قوله : ( إنكار وتعجيب لكفرهم الخ ) تقدّم الكلام في مثله من الجمع بين الإنكار والتعجيب ومعنى الإنكار هنا أنه كيف يقع أو المراد بكفرهم فعل أفعال
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 7522 عن زيد بن أسلم عن أبيه وفيه راو لم يسم لكن أصله في الصحيحين .