تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
أي وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم ، والواضع هو اللّه سبحانه وتعالى ، ويدلّ عليه أنه قرئ على البناء للفاعل
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
للبيت الذي ببكة ، وهي لغة في مكة كالنبيط ، والنميط ، وأمر راتب وراتم ولازب ولازم ، وقيل هي موضع المسجد ، ومكة البلد من بكه إذا زحمه أو من بكه إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
فقال : « المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما فقال : أربعون سنة » وقيل أوّل من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ، ثم العمالقة ، ثم قريش وقيل هو أوّل بيت بناه آدم
شرح
الميل عن الاستقامة ، والتجنب عن الإفراط أي المبالغة في الإيجاد والتفريط أي الإهمال تفسير للاستقامة وهو ظاهر ومن لم يفهمه قال دلالته : على التجنب المذكور غير ظاهرة إلا أن يقال الشرك إفراط أو الأمر باتباع إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وتخصيصه بالذكر دون سائر الأديان يدلّ على ما ذكر ، وهو خبط وخلط بما لا يفيد . قوله : ( وضع للعبادة ) فمعنى وضعه للناس لعبادتهم وليس المراد أن يعبد البيت نفسه بل أن يجعل موضعا لعبادة اللّه فلذا فسره بقوله : وجعل متعبدا لهم وقوله : ( ويدل عليه أنه قرئ الخ ) لأنّ الظاهر أن الضمير راجع إلى اللّه إن لم نعتبر الذكر السابق في قوله صدق اللّه لكون الآية مستأنفة ، وإلا فهو المتبادر أيضا فلا يرد عليه أنه يحتمل رجوعه لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام فلا دلالة للقراءة عليه فتأمّل ، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة . قوله : ( كالنبيط والنميط ) الميم والباء تعقب إحداهما الأخرى كثيرا في كلام العرب والنبيط والنميط مصغرا علم موضع بالدهناء ، وهما بمعنى أو متغايران كما أشار إليه بقوله : وقيل الخ ، وبكة من إليك بمعنى الازدحام لازدحام الحجيج فيها أو بمعنى الدق لدق أعناق الجبابرة أي إهلاكهم إذا أرادوها بسوء وإذلالهم فيها ، ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم اللّه من تخليته لفعلوا . قوله : ( روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل الخ ) أخرجه « 1 » الشيخان عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه وهو حديث صحيح إلا أنّ فيه إشكالا أجاب عنه الطحاويّ في الآثار قال فيه فإن قلت لا شك أنّ باني المسجد الحرام إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وباني الأقصى داود وابنه سليمان بعده وبينهما مدّة طويلة تزيد على الأربعين بأمثالها ، قلت الوضع غير البناء والسؤال عن مدّة ما بين وضعيهما لا عن مدّة ما بين بناءيهما فيحتمل أن يكون واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان عليهما الصلاة والسّلام ثم بنياه بعد ذلك ولا بدّ من تأويله بهذا انتهى ، وجرهم بضم الجيم وسكون الراء والهاء المضمومة حيّ من اليمن كانوا أصهار إسماعيل ، والعمالقة قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسّلام وهم قوم تفرّقوا في البلاد ، والضراح بوزن غراب بضاد معجمة وراء وحاء مهملتين قال الطيبي رحمه اللّه : من رواه بصاد مهملة فقد صحفه وهو من المضارحة وهي المقابلة أو البعد ، وكونه في
هامش
( 1 ) حديث أبي ذر أخرجه البخاري 3366 و 3425 ومسلم 520 وعبد الرزاق 1578 والحميدي 134 وابن أبي شيبة 2 / 402 وأحمد 5 / 160 وابن ماجة 753 وابن حبان 1598 من حديث أبي ذر .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 91 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي