تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ
[ سورة النساء ، الآية : 160 ] وقوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
[ سورة الأنعام ، الآية : 46 ] الآيتين بأن قالوا لسنا أوّل من حرمت عليه ، وإنما كانت محرمة على نوح ، وإبراهيم ، ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرّمت على من قبلنا ، وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول عليه السّلام موافقة إبراهيم عليه السّلام بتحليله لحوم الإبل ، وألبانها
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أمر بمحاجتهم بكتابهم ، وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرّم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرّما روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما قال لهم بهتوا ، ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة ، وفيه دليل على نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم
فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
ابتدعه على اللّه تعالى بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ، ومن قبلهم
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
من بعد ما ألزمهم الحجة
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الذين لا ينصفون من أنفسهم ويكابرون الحق بعد ما وضح
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ
تعريض بكذبهم أي ثبت أن اللّه سبحانه وتعالى صادق فيما أنزل ، وأنتم الكاذبون
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
أي ملة الإسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم أو مثل ملته حتى تتخلص ، وأمن اليهودية التي اضطرّتكم إلى التحريف ، والمكابرة لتسوية الأغراض الدنيوية ، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها لإبراهيم ومن تبعه
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فيه إشارة إلى أنّ اتباعه واجب في التوحيد الصرف ، والاستقامة في الدين ، والتجنب عن الإفراط ، والتفريط ، وتعريض بشرك اليهود
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
شرح
قال الأزهريّ : فلان ينعي على نفسه بالفواحش أي يشهرها بتعاطيها ونعى فلان على فلان أمرا إذا أظهره . وقال ابن الأعرابي : الناعي المشنع يقال نعى عليه أمره إذا قبحه وهو المراد هنا وفيه نكتة بليغة ، وهو الإشارة إلى أنهم أهلكوا أنفسهم بما فعلوا ، وقوله : وفي منع النسخ معطوف على قوله في دعوى البراءة ، ووجه ظاهر إذ تحريم ما كان حلالا لا يكون إلا بالنسخ والطعن معطوف على النسخ وقوله بهتوا مجهول أي سكنوا ولم يجسروا أو يجترؤوا من الجراءة أو الجسارة ، ووجه الدليل علمه صلّى اللّه عليه وسلّم بما في التوراة وهو لم يقرأها ومثله لا يكون إلا بوحي . قوله : ( ابتدعه ) أي اخترع الكذب والافتراء المذكور ، فمن عبارة عنهم ، ويحتمل التعميم فيدخلون فيه دخولا أوليا وقوله : صدق اللّه بعد تكذيبهم تأكيد له ويفهم منه الحصر الإضافي لأنه لما قال صدق اللّه بعد تكذيبهم صار المعنى صدق اللّه لا أنتم . قوله : ( أي ملة الإسلام الخ ) أي هي في الأصل موافقة لملة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ومشابهة لها فعبر عن الإسلام بملة إبراهيم لذلك فلا يلزم كون نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم عاملا بشريعته كأنبياء بني إسرائيل وقوله : ( واجب في التوحيد الصرف ) الذي لا يشوبه ما ينافيه كما فعل اليهود والاستقامة في الدين مأخوذة من قوله : حنيفا لأنّ الحنف كما قال الراغب : الميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف بالجيم