والجنة
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
أي من المال أو ما يعمه ، وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس ، والبدن في طاعة اللّه تعالى والمهجة في سبيله سبحانه وتعالى ، وروي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال : يا رسول اللّه إن أحب أموالي إليّ ببرحا فضعها حيث أراك اللّه فقال :
« بخ بخ ذاك مال رائح أو رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربن » ، وجاء زيد بن حارثة
شرح
عليه ، وضمير به لحقيقة ملء الأرض فيصير المعنى لا يقبل منه فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ، والثاني أنّ المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرّح به في تلك الآية فالمعنى لا يقبل ملء الأرض فدية ولو زيد عليه مثله ، قيل : والمراد أنّ الباء بمعنى مع ومثل يقدّر بعده أي مع مثله ولا يخفى بعده ، وبهذا التقرير علمت أنه لا وجه لما قاله أبو حيان : ومن تبعه من أنه لا حاجة إلى تقدير مثل وأنّ الزمخشريّ تخيل أن ما نفى أن يقبل لا يمكن أن يفتدي به فاحتاج إلى إضمار مثل حتى يتغايرا وليس كذلك ، والثالث أن لا يحمل ملء الأرض أوّلا على الافتداء بل على التصدّق ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق بل يكون شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا تصدّق به ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه وضمير به للمال من غير اعتبار وصف التصدّق ، وقيل : إنّ المراد من افتدى به بذله أي لو أقرّ به ولو بذله وإذا لم ينفع البذل علم عدم نفع غيره بالأولى وقيل إنّ الواو زائدة كما قرئ به في الشواذ ، ولو قيل : إنّ لو ليست وصلية بل للشرط وجوابه قوله : أولئك الخ أو هو ساد مسد الجواب لكان قريبا قيل وقوله : والمثل يحذف ويراد الخ يراد من الإرادة أي أنه لكون مثل الشيء وهو في حكم شيء واحد صح حذفه وإقامته مقامه وحمله عليه ، وأما جعله مقحما على أنّ يزاد من الزيادة فبعيد وكون من المزيدة النفي للاستغراق سواء دخلت على مفرد نحو ما جاءني من أحد أو جمع كما هنا مقرر في العربية فلا وجه للاعتراض على المصنف بأنه مخصوص بالمفرد كما قيل . قوله : ( أي لن تبلغوا حقيقة البرّ الخ ) البرّ بكسر الباء الإحسان وكمال الخبر وبالفتح صفة منه ، وتبلغوا تفسير لتنالوا وحقيقة البر إشارة إلى أنّ التعريف للجنس فيكون التركيب كناية عن كون فاعله بارا ، ولذا فسره الزمخشريّ بلن تكونوا أبرارا فنيله البر يدل على البلوغ إليه والبلوغ إليه يدلّ على كونه بارا كقول الخنساء :وما بلغت كف امرئ متناولا * من المجد إلا والذي نال أطولأي أنه ماجد فاق كل ماجد أو تعريفه للعهد والمراد بر اللّه لهم كالرحمة ونحوها ، وهو تفسير ابن عباس رضي اللّه عنهما . قوله : ( أي من المال الخ ) قدّمه لأنه الظاهر من الإنفاق وعلى الثاني يتجوّز فيه ، وقوله : ( روي الخ ) « 1 » رواه الشيخان والنسائيّ وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمدّ والقصر ، وهو اسم بستان وحديقته بالمدينة المنوّرة وكانوا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 1461 و 2318 و 2752 و 2769 و 4554 و 5611 ومسلم 998 ومالك 2 / 995 وأحمد 3 / 141 - 256 وأبو داود 1689 والترمذي 2997 والنسائي في « التفسير » 86 من حديث أنس .