« معاذ اللّه أن يعبد غير اللّه وأن نأمر بغير عبادة اللّه فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني » فنزلت ، وقيل : قال رجل يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك قال :
« لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله »
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
ولكن يقول كونوا ربانيين ، والربانيّ منسوب إلى الربّ بزيادة الألف ، والنون كاللحيانيّ والرقبانيّ ، وهو الكامل في العلم ، والعمل
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
بسبب كونكم معلمين الكتاب ، وبسبب كونكم دارسين له فإنّ فائدة التعليم ، والمتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد ، والعمل ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب تعلمون بمعنى عالمين وقرئ تدرّسون من التدريس وتدرسون من أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم ، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى على تقدير ، وبما كنتم تدرسونه على الناس
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
نصبه ابن عامر وحمزة وعاصم ، ويعقوب عطفا على ثم يقول وتكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله : ما كان أي ما كان
شرح
وهذا تصريحا حصل بينهما مغايرة اقتضت العطف . قوله : ( أي ليس هو نازلا من عنده ) يعني المقصود بالنفي نزوله من عند اللّه وهو أخص من كونه من فعله ، وخلقه ونفي الخاص لا يقتضي نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأنّ أفعال العباد مخلوقة لهم لا للّه وفعل العبد هنا هو التحريف ونحوه وقوله : ( ويقولون الخ ) تسجيل عليهم بأنّ ما اقترفوه عن عمد لا خطأ . قوله : ( تكذيب الخ ) أي لا ينبغي لبشر أن يأمر بغير عبادة اللّه فكيف بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أوتي الحكم والنبوّة فما فعلتموه من عند أنفسكم ، والحكم بمعنى الحكمة وفسرها الزمخشريّ بالسنة لأنها تالي الكتاب والسيد علم شخص من نصارى نجران . قوله : ( معاذ اللّه أن يعبد ) وقع في الكشاف : « أن نعبد غير اللّه أو أن نأمر بعبادة غير اللّه » « 1 » وهو أحسن طباقا لما سبقه لأنّ الكلام في نفي عبادة غير اللّه لا في نفي غير العبادة ، وأجيب بأنّ المراد بغير عبادة اللّه عبادة غير عبادة اللّه ، أو غير عبادة اللّه عام ، ونفيه جعل كناية عن نفي الخاص على طريق المبالغة وبهما وردت الرواية والأمر فيه سهل . قوله : ( ولكن يقول الخ ) لكن لإثبات ما نفي سابقا وهو القول المنصوب بأن فيقول هنا منصوب أيضا عطفا عليه ، ويصح رفعه عطفا على المعنى لأنه في معنى لا يقول ، وقيل : يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين أي مبلغين ما أتى من الرب وضمير يقول هنا لبشر والرباني منسوب إلى الرب كالهيّ والألف والنون تزاد في النسبة للمبالغة كثيرا كلحياني بكسر اللام عظيم اللحية ورقباني بمعنى غليظ الرقبة ، وفسره بالكامل في العمل والعمل وقيل إنه سرياني ، وقيل : إنّ ربان صفة كعطشان بمعنى مرب نسب إليه . قوله : ( كونوا ربانيين الخ ) أي كونوا منسوبين إلى الرب
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 384 من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف فيه محمد بن أبي محمد مجهول .