تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
بكلمات اللّه وآياته والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله :
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
فإنّ من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه كما أنّ من اعتدّ بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه
وَلا يُزَكِّيهِمْ
ولا يثني عليهم بالجميل
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
على ما فعلوه قيل إنها نزلت في أحبار حرّفوا التوراة ، وبدّلوا نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحكم الأمانات وغيرها ، وأخذوا على ذلك رشوة ، وقيل نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به ، وقيل في ترافع كان بين أشعث بن
شرح
وثمرته فينزل منزلة المعدوم . قوله : ( والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم ) هذا جواب آخر عن نفي الكلام لكن ظاهره أيضا أنّ قوله ولا ينظر إليهم كناية فإن أراد أنه كناية لاقترانه بكناية أخرى ، وإن أراد أنه أريد به السخط كما أنّ المراد بما بعده ذلك ، ولو مجازا صح وإنما كان كناية لأنه يمكن أن يراد من عدم التكليم معناه الحقيقي فلا وجه للحكم بالمجازية فيه فإن لوحظ فيه قرينة مانعة عن إرادته صحت المجازية لكنها خلاف الظاهر ، وفي الكشاف أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأنّ من اعتدّ بالإنسان التفت إليه وأعاره عينيه ، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ، ثمّ نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرّدا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر ، قال النحرير : يريد أنّ ترك النظر عند قرينة مانعة عن إرادة معناه الحقيقي يكون مجازا عن الاستهانة والسخط كما أنّ النظر يكون مجازا عن الإكرام والإحسان لكون النظر من لوازم الإحسان وتركه من لوازم الإهانة ، ثم فرق بين استعمال النظر نفيا وإثباتا في حق من يجوز عليه النظر أي تقليب الحدقة كالإنسان وبين من لا يجوز عليه كالباري وإن كان بصيرا بمعنى أنّ له صفة البصر بأنه إذا استعمل فيمن يجوز عليه النظر وأريد الإحسان والإكرام فهو كناية حيث جاز إرادة المعنى الحقيقي بل ربما أريد لكن لا ليكون مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب والأمر والنهي ، ونحوه بل لينتقل عنه إلى معنى آخر وإذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر فهو مجاز لا غير لأن إرادة المعنى الحقيقي أو جواز إرادته شرط للكناية ، وههنا العلم بامتناع النظر قرينة مانعة عن إرادته ، وفي كلامه إشارة إلى أنه عند الكناية قد يتحقق المعنى الحقيقي ويراد لا قصدا إليه وقد لا يتحقق أصلا ، وإن جاز وما ذكره هنا يشكل بما ذكره في قوله تعالى :بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِوَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىونحو ذلك أنها كلها كنايات مع امتناع المعنى الحقيقيّ قطعا فإن أجيب بأنّ إرادة المعنى الحقيقي لا تستلزم تحققه وهو ظاهر ولا يلزم منه الكذب لأنّ إرادته لا تكون على وجه القصد إليه إثباتا ونفيا وصدقا وكذبا بل لينتقل منه إلى المقصود ، قلنا : وكذلك النظر في حق من يجوز عليه النظر يراد ، ولا يتحقق فيكون كناية . وأمّا ما يقال : من أنه إذا أريد المعنى الحقيقي لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بمعنى إرادة المعنى الحقيقي والمجازيّ ، وهو ممتنع فمدفوع بأنّ ذلك إنما هو حيث يكون كل منهما مناط الحكم ومرجع الصدق والكذب .