التعذيب
ذُو انْتِقامٍ
لا يقدر على مثله منتقم ، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر ، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد ، والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوّة تعظيما للأمر ، وزجرا عن الإعراض عنه
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
أي شيء كائن في العالم كليا كان أو جزئيا إيمانا أو كفرا فعبر عنه بالسماء والأرض إذ الحس لا يتجاوزهما ، وإنما قدّم الأرض ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، ولأنّ المقصود بالذكر ما اقترف فيها ، وهو كالدليل على كونه حيا ، وقوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
أي من الصور المختلفة كالدليل على القيومية ، والاستدلال على أنه عالم باتقان فعله في خلق الجنين ، وتصويره ، وقرئ تصوّركم أي صوّركم لنفسه ، وعبادته
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ، ولا يقدر على مثل ما يفعله
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
إشارة إلى كمال قدرته ، وتناهي حكمته وقيل هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى
شرح
لا يمنع الخ ) فسره به لأنه من شأن العزيز ، وبه يتمّ الارتباط بما قبله ، وقوله : لا يقدر على مثله منتقم أخذ المبالغة من التعبير بذي فإنه لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقا مع ما فيه من التنوين المفيد للتعظيم ، والإبهام ومنه يعلم أنّ ذا الإحسان أبلغ من محسن ، ولذا عدل فيه عن المنهج المسلوك ، وهو أخصر . قوله : ( والنقمة عقوبة المجرم ) ، وقيل : هي العقوبة البليغة وقيل : السطوة والانتصار والفعل منه نقم كعلم وضرب ، وقيل : نقم عليه أنكر وانتقم عاقب ، وتقرير التوحيد من لا إله إلا هو ، والعمدة في إثبات النبوّة الوحي والكتاب السماوية والزجر بالانتقام ، والإعراض هو الكفر . قوله : ( أي شيء كائن الخ ) يصح قراءته بالتخفيف والتشديد ، وقوله : كليا كان أو جزئيا ردّ على منكري العلم بالجزئيات كما بين في الكلام وقوله : إيمانا أو كفرا وقع في نسخة وكفرا ، وهو بمعناه وقوله : فعبر عنه بالسماء والأرض الخ يعني لأنهما العالم كله في النظر الظاهر ، وجعله من إطلاق الجزء وإرادة الكل قيل : إنه ليس بسديد إذ لا يصح في كل جزء وكل بناء على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء كما في التلويح ، وهو مما اختلف فيه فهو عنده كناية لا مجاز .
وقوله : ما اقترف أي اكتسبه العباد من المعاصي فإنه فيها وجعله كالدليل لأنّ العلم يستلزم الحياة ، ولم يقل دليلا لأن السياق إنما هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطلع عليهم ، وعبادته معطوف على نفسه عطف تفسير ، واختلاف الصور مأخوذ من عموم كيف يشاء ، والتصوير من جملة تدبيرهم ، والقيام بأمرهم واتقان الفعل يدلّ على العلم كما مرّ .
قوله : ( أي صوّركم لنفسه وعبادته ) أي ليس المراد بالتصوّر قيام الصورة بالذهن ، وهذا المعنى يؤخذ من صيغة التفعل كما في الكشاف يقال : أثلث مالا إذا جعلته أثلة أي أصلا وتأثلته إذا أثلته لنفسك ، ومنه تبناه اتخذه ابنا له ، وباب تفعل يجيء للاتخاذ نحو توسدت التراب أي اتخذته وسادة لي فما قيل كأنه من تصوّرت الشيء بمعنى توهمت صورته فتصوّر لي توهم