متعبدون بشرع من قبلنا ، وإلا فالمراد به قومهما
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
يريد به جنس الكتاب الإلهية فإنها فارقة بين الحق ، والباطل ذكر ذلك بعد ذكر الكتاب الثلاثة ليعمّ ما عداها كأنه قال وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق ، والباطل أو الزبور أو القرآن ، وكرّر ذكره بما هو نعت له مدحا ، وتعظيما ، وإظهارا لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه ، وحيا منزلا ، ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق ، والمبطل أو المعجزات
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
من كتبه المنزلة ، وغيرها
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
بسبب كفرهم
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
غالب لا يمنع من
شرح
بشرائع من قبلنا ، وجوّز العلامة في شرح الكشاف كسرها من التعبد بمعنى التنسك ، وإنما عبروا بالتعبد لأنه إذا أطلق أريد منه العمليات إذ لا خلاف في الاعتقاديات بين الشرائع ، ومن لم يتنبه لهذا قال : يعني الناس مستغرق على تقدير ، ومعهود على آخر ، وفيه أنه للاستغراق على كل تقدير إذ لا خلاف في أن الكتابين أخبرا عن نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فهما هدى للناس جميعا ، وبأن أصول الكتابين لم تنسخ بكتابنا فنحن متعبدون بهما . قوله : ( يريد به جنس الكتاب الخ ) الضمير في قوله ليعمّ لذلك المذكور أو للذكر ، وسائر بمعنى الباقي أو بمعنى الجميع عند من جوّزه ، وأعاد أنزل لئلا يتوهم أن المعنى وللفرقان ، وعلى هذا فهو من ذكر العامّ بعد الخاص للتتميم ، ولكونه بوصف آخر لا تكرار فيه . قوله : ( أو الزبور أو القرآن الخ ) اختار الإمام الوجه الأخير لأنّ التكرار خلاف الظاهر ولأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق ، والباطل من الأحكام ، وأجيب بأنه لا تكرار لتنزيل تغاير الوصف منزلة تغاير الذات أو أنه تنزيل تدريجي ، وإنزال دفعيّ ، وكان الظاهر تقديمه لكنه أخر لأن الانتفاع لنا بالأوّل أظهر ، وأنّ المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضا ، ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به ، وأورد عليه أن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى تغني عن ذكر موصوفه ، والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به ، وقوله بما هو نعت له ليس المراد به النعت المصطلح بل الصفة مطلقا لأن الكتاب السماوية كلها فارقة بين الحق والباطل ، فأعادته بذلك العنوان ، وتخصيصه إشارة إلى أنه الكامل فيه لكونه بمعناه ، ولفظه المعجز ، ولو أجرى عليه لم يكن بهذه المنزلة .
وفي بعض النسخ وعن محمد بن جعفر بن الزبير قال الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام وغيره قال ابن جرير رحمه اللّه : وهذا القول أولى لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( من كتبه المنزلة وغيرها ) إشارة إلى أن الإضافة ليست للعهد وقوله بسبب كفرهم إشارة إلى أن التعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية ، وهو معنى تضمنه الشرط ، وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام ، والعذاب الذي في مقابلة الكفر أو الشديد مخصوص بهم فلذا قدّم لهم فلا ينافيه تعذيب عصاة الموحدين . قوله : ( غالب