وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
أي رقيبا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ، ويعتقدوه أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
بالرفع إلى السماء لقوله :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ
[ سورة آل عمران ، الآية : 55 ] والتوفي أخذ الشيء وافيا والموت نوع منه قال اللّه تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ سورة الزمر ، الآية : 42 ] والتي لم تمت في منامها
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
المراقب لأحوالهم ، فتمنع من أردت عصمته من القول به بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
مطلع عليه مراقب له
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
أي إن تعذبهم فإنك تعذب عباك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه ، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فلا عجز ولا استقباح ، فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب الذي لا يثيب ، ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب ، فإنّ
شرح
لإبهامه لا يغني عن الثاني ، والثاني لا يغني عن الأوّل وللتفسير بعد الإبهام شأن ظاهر . قوله :
( رقيبا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك الخ ) إشارة إلى أنّ الشهيد ، والرقيب هنا بمعنى ، ولكن تفنن في العبارة ليميز بين الشهيدين ، والرقيبين لأنّ كونه صلّى اللّه عليه وسلّم رقيبا ليس كالرقيب الذي يمنع ، ويلزم بل كالشاهد على المشهود عليه ، ومنعه بمجرّد القول ، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع إلزام بالأدلة ، والبينات فإن قلت قوله :فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِيالخ بعد قوله :وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداًالخ من قبيل ما مر في قوله قالوا لا علم لنا أي لا علم لنا بما كان منهم بعدنا إذ الحكم للخاتمة ، وقد رد هنا بأنه كيف يخفى عليه أمرهم ، وقد رآهم سود الوجوه كما مر قلت : ليس هذا منه لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم في صدد التنصل ، والتبري عما نسب إليه وإثباته لهم فأين هذا من ذاك فإن قيل إنه تعالى قبل توفيه هو المانع بالإرشاد بإرسال الرسل والبينات كما أنه كذلك بعد توفيه فلا تقابل بين قوله كنت أنت الرقيب ، وقوله : كنت عليهم شهيدا على هذا التفسير فينبغي تفسيره بأني ما دمت فيهم كنت شاهدا لأحوالهم فيمكن لي بيانها ، وبعد التوفي لا أعلم حالهم ، ولا يمكنني بيانها قلت منعه من غير واسطة بل بالقول ، والزجر ، ومنع اللّه ليس كذلك فالتقابل واضح وتخصيصه بعد توفيه بالفعل بلا رسول ، وإلا فهو الهادي قبله ، وبعده وهو ظاهر مما مر ، وقوله : بالرفع إلى السماء إشارة إلى ما سبق من أنه لم يصلب ، ولم يمت فلذا فسر التوفي برفعه ، وأخذه من الأرض كما يقال توفيت المال إذا قبضته . قوله : ( ولا اعتراض على المالك الخ ) وأما العباد فقد يعترض عليهم إذا فعلوا بمماليكهم ما لا يجوّزه الشرع لأنهم لا ملك لهم على الإطلاق ، وقوله وفيه تنبيه لم يجعله معنى النظم لأنه ليس من منطوقه بل فيه إشارة إليه .
قوله : ( فلا عجز ولا استقباح الخ ) وقع لبعض الطاعنين في القرآن من الملاحدة أن المناسب ما وقع في مصحف ابن مسعود رضي اللّه عنه بدل العزيز الحكيم العزيز الغفور لأنه مقتضى قوله ، وأن تغفر لهم كما نقله ابن الأنباري رحمه اللّه تعالى ، وأجاب عنه لسوء فهمه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط لكونه جوابه ، وليس كما توهم بفكره الفاسد بل هو متعلق بهما ، ومن له الفعل ،