تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف ، والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد الماء يميد إذا تحرك ، أو من مادة إذا أعطاه كأنها تميد من تقدّم إليها ، ونظيرها قولهم : شجرة مطعمة
قالَ اتَّقُوا اللَّهَ
من أمثال هذا السؤال
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بكمال قدرته وصحة نبوّتي ، أو صدقتم في ادعائكم الإيمان
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها
تمهيد عذر ، وبيان لما دعاهم إلى السؤال ، وهو أن يتمتعوا بالأكل منها
وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا
بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته سبحانه وتعالى
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا
في ادعاء
شرح
وحسنه في الحديث المشاكل فقد عرفت أنّ العرب استعملته بهذا المعنى ، وفي الانتصاف قيل معنى يستطيع يفعل كما تقول للقادر على القيام هل تستطيع أن تقوم ، ونقل هذا عن الحسن فعلى هذا يكون إيمانهم سالما عن الشك في القدرة والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من التعبير عن المسبب بالسبب إذ هي من أسباب الإيجاد على عكسإِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ[ سورة المائدة ، الآية : 6 ] وهذا التأويل الحسنيّ يعضد تأويل أبي حنيفة رحمه اللّه حيث جعل الطول المانع عن نكاح الأمة ، وجود الحرة في العصمة ، وعدمه أن لا يملك عصمة الحرّة ، وإن كان قادرا على ذلك فيباح له حينئذ الأمة ، وحمل قوله :وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِعلى معنى ، ومن لم يملك منكم ، وحمل النكاح على الوطء فجعل استطاعة الملك بمعنى الملك حتى أنّ القادر غير المالك عادم الطول عنده فينكح الأمة ، وكنت أستبعده حتى وقفت على تفسير الحسن هذا ، وكانت عائشة رضي اللّه عنها تقول الحواريون أعرف باللّه من أن يقولوا هل يستطيع ربك فنزهتهم عن أن ينسب إليهم مثل هذه المقالة الشنيعة . قوله : ( وقرأ الكسائي تستطيع ربك أي سؤال ربك ) أي قرأها بالتاء خطابا بالعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، وربك منصوب على المفعولية ، وبقراءته كانت تقرأ عائشة ، ومعاذ وعليّ وابن عباس في جماعة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين وعلى هذه القراءة فالأكثر أنّ فيها مضافا مقدّرا ، وقيل لا حاجة إلى تقدير ، والمعنى هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك ، وهذا منقول عن الفارسيّ وفيه نظر وفي قوله هل تسأله ذلك إشارة إلى أنّ استطاعة السؤال هنا عبارة عن السؤال كما مرّ تحقيقه لأنّ قوله من غير صارف يأباه فتأمل . قوله : ( والمائد الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد الماء الخ ) الخوان بضم الخاء ، وكسرها ، وفيه لغبة اخوان بهمزة مكسورة ، وهو معرّب وقيل إنه عربيّ مأخوذ من تخوّنه أي نقص حقه لأنه يؤكل عليه فينقص ، وهو بمعنى المائدة ، وهي فاعلة من ماد يميد إذا تحرك أو من مادة بمعنى أعطاه فهي إما فاعلة بمعنى مفعول كعيشة راضية أو بجعلها للتمكن مما عليها كأنها بنفسها معطية كقولهم للشجرة المثمرة مطعمة ، وتفسير المائدة بالخوان تفسير بالأعمّ لأنه لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام ، وإلا فهو خوان كما لا يقال للقدح كأس إلا وفيه خمر ، وله نظائر كثيرة ذكرها أهل اللغة . قوله : ( بكمال قدرته وصحة نبوتي ) لا فرق بينهما في ابتغائهما ، وإنما الفرق في تقدير متعلق الإيمان هل هو القدرة والنبوة