تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
وقيل : المعنى هل يطيع ربك أي هل يجيبك ، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب ، وقرأ الكسائي تستطيع ربك أي سؤال ربك .
شرح
معرفة باللّه ، وقدرته لأنهم لو حققوه ، وعرفوه لم يقولوا هل يستطيع ، ويقدر إذ لا يليق مثله بالمؤمن باللّه ، وتبع فيه الزمخشري في الجري على ظاهر الكلام من كون الحواريين شاكين في قدرة اللّه وفي صدق عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم كاذبين في دعوى الإيمان والاخلاص ، وذهب محيي « 1 » السنة وغيره إلى أنهم كانوا مؤمنين ، وسؤالهم للاطمئنان ، والتثبت كما قال الخليل صلّى اللّه عليه وسلّمأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى[ سورة البقرة ، الآية : 260 ] وهل يستطيع سؤال عن الفعل دون القدر تعبيرا عن الفعل بلازمه أو عن المسبب بسببه ، ومعنى إن كنتم مؤمنين إن كنتم كاملين في الإيمان ، والاخلاص ومعنى ، ونعلم أن قد صدفتنا علم مشاهدة ، وعيان بعلم ما علمناه علم إيمان ، وإيقان بدليل إنّ المؤمنين أمروا بالتشبيه بالحواريين ، وأجيب بأنّ الحواريين فرقتان مؤمنون هم خالص عيسى عليه الصلاة والسّلام والمأمور بالتشبه بهم ، وكافرون وهم أصحاب المائدة ، وسؤال عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم لنزول المائدة وإنزالها ليلزمهم الحجة وقال ابن عطية وغيره من المفسرين إنّ القول بكونهم غيره مؤمنين خارق للإجماع ولا نعلم خلافا في إيمانهم ، وأوّلوا الآية ، وأجابوا عنها بما مرّ ونحوه ، وقالوا صفة الحواريين تنافي عدم إيمانهم ، وهو الحق ، وادّعاء أنهم فرقتان يحتاج إلى نقل ، ولك أن تقول أنّ المصنف رحمه اللّه لم يذهب إلى ما ذهب إليه الكشاف ، وأنّ مراده أن إخلاصهم الذي ادّعوه لم يكن محكما محققا تحقيقا لا تعتوره الأوهام ، والوساوس الذي لا تضرّ المؤمن ، ولا توقعه في مزلة الكفر فطلبوا إزالة ذلك طلب من يتثبت لانكارهم له ، واستعظامه عندهم لا لشك منهم ، ولكن خافوا أن يوقعهم الشيطان به في حبائله ، وهذا تصرّف منه أخف من نسب الشك إليهم ، ومخالفة ظاهر النظم كما يدل عليه ما سيأتي ، وهذا هو النظر السديد عندي فتأمله . قوله : ( وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة ) فكأنهم قالوا هل إرادة اللّه ، وحكمته تعلقت بذلك أولا لأنه لا يقع شيء بدون تعلقهما به قبل ، وقوله :اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ سورة المائدة ، الآية : 57 ] لا يلائمه لأن السؤال عن مثله مما هو من علوم الغيب لا قصور فيه ، وقد عرفت أنّ الجمهور أولوه كما مرّ . قوله : ( وقيل المعنى هل يطيع ربك الخ ) فيستطيع بمعنى يطيع ، ويطيع بمعنى يجيب مجازا لأنّ المجيب مطيع ، وذكر أبو شامة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عاد أبا طالب في مرض فقال له يا ابن أخي ادع ربك أن يعافيني فقال : « اللهمّ اشف عمي » فقام كأنما نشط من عقال فقال يا ابن أخي إنّ ربك الذي تعبده ليطيعك فقال : « يا عم وأنت لو أطعته لكان يطيعك » « 2 » أي يجيبك لمقصودك ،
هامش
( 1 ) هو الإمام البغوي رحمه اللّه . ( 2 ) أخرجه الطبراني في « الأوسط » كما في « المجمع » 3887 من حديث أنس ، وإسناده ضعيف ، فيه الهيثم ابن جماز البكاء ، وهو ضعيف كما قال الهيثمي رحمه اللّه .