الظالمين أنفسهم إن اعتدينا ومعنى الآيتين أنّ المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطا ، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر ، فآخران من غيرهم ، ثم إن وقع نزاع ، وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ بالوقت ، فإن اطلع على أنهما كذبا بإمارة ، ومظنة حلف آخران من أولياء الميت ، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين ، فإنه لا يحلف الشاهد ، ولا يعارض يمينه بيمين الوارث ، وثابت إن كانا وصيين ، وردّ اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن
شرح
الفرق بينهما بالعموم والخصوص . قوله : ( ومعنى الآيتين إنّ المحتضر إذا أراد الوصية الخ ) اعلم إنهم اختلفوا في معنى الشهادة في هذه الآية فقال قوم هي الشهادة على الوصية في السفر ، وأجازوا شهادة الذمي على المسلم في هذه الصورة وبه حكم بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، وإليه ذهب ابن حنبل ، والآية ليست بمنسوخة عندهم لحديث المائدة .
وقال آخرون الشهادة هنا بمعنى الحضور من شهدت كذا شهودا وشهادة إذا حضرته ، وقيل هي أيمان الوصي إذا ارتاب الورثة فلا نسخ عليهما أيضا ، والأخير قول مجاهد وبعض الصحابة ، واليمين قد تسمى شهادة وبها فسر قوله تعالى :فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ[ سورة النور ، الآية : 6 ] لكنه بعيد لأنّ الشهادة إذا أطلقت فهي المتعارفة ، وقوله : ولا نكتم شهادة اللّه صريح فيه فإنّ الإيمان لا تكتم وتأويل من غيركم بغير أقربائكم قال الجصاص لا وجه له لأنّ الخطاب توجه أوّلا إلى أهل الإيمان فالمغايرة تعتبر فيه ، ولم يجر للقرابة ذكر ويدل عليه الحديث الآتي في سبب النزول ، ثم إنّ الشهادة إذا حملت على الوصية هل تعم كل وصية أو تخص بما وقع في الحديث اختلف فيه ، وهل هي منسوخة أو باق حكمها فقيل نسخت بقوله :وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْفإنه آخر ما نزل ، وقيل إنّ في هذه السورة ثماني عشرة فريضة لم ينسخ منها شيء .
واعلم أنّ الشهادة كيف تتصوّر هاهنا وشهادتهما إما على الميت ، ولا وجه لها بعد موته ، وانتقال الحق إلى الورثة ، وحضورهم أو على الوارث المخاصم فكيف يشهد الخصم على خصمه فهذا يقتضي بالضرورة تأويل الشهادة فالظاهر أن تحمل في قوله شهادة بينكم على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت لمسافر فليحضر من يوصي إليه بإيصال ماله لوارثه مسملا فإن لم يجد فكافر ، والاحتياط أن يكونا اثنين فإذا جاءا بما عندهما ، وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان مصدّقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه ، وادّعيا أنهما تملكاه منه بشراء ، ونحوه ، ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه ، وإنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه ، والشهادة الثانية بمعنى العلم المشاهد ، أو ما هو بمنزلته لأنّ الشهادة المعاينة فالتجوّز بها عن العلم صحيح قريب ، والشهادة الثالثة إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين كما مرّ فلا نسخ في هذه الآية على هذا ، ولا إشكال ، وللّه الحمد مما أفاضه اللّه عليّ ببركة كلامه .