فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي جئتكم بآية أخرى آلهمنيها ربكم ، وهي قولي إن اللّه ربي وربكم فإنه دعوة الحق المجمع عليها فيما بين الرسل الفارقة بين النبيّ ، والساحر أو جئتكم بآية على أنّ اللّه ربي وربكم ، وقوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
[ سورة آل عمران ، الآية : 50 ] اعتراض ، والظاهر أنه تكرير لقوله :
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم ، والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ، ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
أي لما جئتكم بالمعجزات الظاهرة ، والآيات الباهرة فاتقوا اللّه في المخالفة ، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه ، ثم شرع في الدعوة ، وأشار إليها بالقول المجمل فقال : إنّ اللّه ربي وربكم إشارة إلى استكمال القوّة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد ، وقال : فاعبدوه إشارة إلى استكمال القوّة العملية فإنه بملازمة الطاعة التي هي الإتيان بالأوامر ، والانتهاء عن المناهي ، ثم قرر ذلك بأن بين أنّ الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ونظيره قوله عليه الصلاة والسّلام قل آمنت باللّه ثم استقم
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس
قالَ مَنْ
شرح
الكرش والأمعاء ، وقوله : والسمك المراد به بعض أنواعه فإنهم لم يحرموه مطلقا ، ولما كان عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بالعمل بالتوراة وشريعة موسى عليه الصلاة والسّلام أشار إلى أنّ نسخ بعضها لا ينافي ذلك إذ لم تبطل شريعته كما أنّ نسخ بعض القرآن لا يبطله ، وقوله : فإنّ النسخ الخ أي هو بيان لانتهاء زمان الحكم الأوّل لا رفع وإبطال له كما مرّ وتقرر في الأصول . قوله : ( أي جئتكم بآية أخرى الخ ) أي فالمراد بالآية على هذا العلامة ، لا المعجزة ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوامّ ، بل المراد أنه بعدما ثبتت نبوّته بالمعجزة كان ذلك القول الصادر عن غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس ، وقيل حصول المعرفة والتوحيد . والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ في قوم بدّلوا وحرّفوا من خوارق العادة .
قوله : ( أو جئتكم بآية على أنّ الخ ) قيل هذا ظاهر على القراءة بفتح إنّ فكان ينبغي ذكرها كما في الكشاف وإن كانت شاذة وليس بوارد لأنه على الكسر قبلها قول محذوف بدلا من آية أي قولي إنّ اللّه ، وبه صرّح المصنف رحمه اللّه فقال : وهي قولي فالاعتراض غفلة عما أراده وعلى الفتح فهي بدل من آية . قوله : ( والظاهر أنه تكرير لقوله الخ ) أي أنه معطوف على جئتكم الأول وكرر ليعلق به معنى زائد وهو قوله : إن اللّه ربي الخ أو للاستيعاب كقوله :ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ[ سورة الملك ، الآية : 4 ] ويؤيده قوله جئتكم بآية بعد أخرى فيقدّر ما يناسب الآيات السابقة من كونه مولودا بغير أب وتكلم في المهد ، وإليه الإشارة بقوله : ( مما ذكرت لكم ) والحكم هو قوله :فَاتَّقُواالخ ) وقوله : لما جئتكم بكسر اللام وتخفيف الميم ويجوز الفتح والتشديد ، والتوحيد من الحصر المستفاد من تعريف الطرفين ، والجمع بين الأمرين لأن