المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما يتقي ، فإنه ينبغي أن يترك المحرّمات توقيا من العقاب والشبهات تحرّزا عن الوقوع في الحرام ، وبعض المباحات تحفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فلا يؤاخذهم بشيء ، وفيه أنّ من فعل ذلك صار محسنا ، ومن صار محسنا صار اللّه محبوبا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
نزلت في عام الحديبية ابتلاهم اللّه سبحانه وتعالى بالصيد ، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون ، والتقليل والتحقير في بشيء للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الإقدام كالابتلاء يبذل الأنفس والأموال ، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عندما
شرح
باعتبار تغاير المتقي منه ، وهو العقاب ، والوقوع في حمى المحرمات ، والتدنس بدنس الطبيعة والهيولى ، وقوله فلا يؤاخذهم بشيء لأنه لازم المحبة فهو كناية كما في قوله :وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ[ سورة المائدة ، الآية : 18 ] وكان الظاهر ، واللّه يحب هؤلاء فوضع المحسنين موضعه إشارة إلى أنهم متصفون بذلك . قوله : ( نزلت في عام الحديبية ) مرّ أنّ الحديبية بالتخفيف ، وأنّ منهم من شدّدها ، وهي اسم مكان معروف ، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل . قوله : ( والتحقير في بشيء للتنبيه الخ ) تدحض من أدحض أي أزل ، وهو كناية عن إزالة الثبات ، والتصبر ، والتحقير ، والتقليل من شيء وتنكيره قيل عليه إنّ هذه الصيغة بعينها وردت في الأموال ، والأنفس من الفتن العظام كقوله تعالى :بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ[ سورة البقرة ، الآية : 155 ] وهو إشارة إلى ما يقع به الابتلاء من هذه الأمور فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدوره تعالى فإنه قادر على ابتلائهم بأعظم مما ذكر ليبعثهم بذلك على الصبر ، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله لتوطين النفوس فإنّ المفاجأة بالشدائد شديدة الألم ، وإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلايا أكثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غايته فسبحان اللطيف بعباده .
( أقول ) ما ذكره العلامة بعينه أشار إليه الشيخ « 1 » في دلائل الإعجاز لأن شيء إنما يذكر لقصد التعميم نحو وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، أو الإبهام ، وعدم التعيين أو التحقير لادعاء أنه لحقارته لا يعرف ، ولذا عيب على المتنبي قوله :لو الفلك الدوّار أبغضت سعيه * لعوّقه شيء عن الدورانمع استحسانها في قول أبي حية النمري :إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة * تقاضاه شيء لا يملّ التقاضياوهنا لو قيل ليبلونكم بصيد تمّ المعنى فإقحامها لا بدّ له من نكتة وهي ما ذكر ، وأما ما
هامش
( 1 ) هو الإمام العلامة عبد القاهر الجرجاني .