الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدّم من أنواع الصوارف فقال :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
إيذانا بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية ، وأنّ الإعذار قد انقطعت
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
فيما أمرا به
وَاحْذَرُوا
ما نهيا عنه ، أو مخالفتهما
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
أي فاعلموا أنكم لم تضرّوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بتوليكم ، فإنما عليه البلاغ وقد أدّى وإنما ضررتم به أنفسكم
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
مما لم يحرم عليهم لقوله
إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة
ثُمَّ اتَّقَوْا
ما حرّم عليهم بعد كالخمر
وَآمَنُوا
بتحريمه
ثُمَّ اتَّقَوْا
ثم استمرّوا وثبتوا على اتقاء المعاصي
وَأَحْسَنُوا
وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها روي أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم : يا رسول اللّه ،
شرح
وهذا بيان لأنه غاية مراد الشيطان من شرب الخمر ، ومنتهى آماله ذلك فيها ، ولا أحب إلى الشيطان من إيقاعها في الكفر فلو لا أن تركها يؤدّي إليه لما كانت محط نظره ، ولذلك سميت عماد الدين في الحديث لأنّ الخباء لا يقوم بلا عماد ، والفارق بين الإيمان ، والكفر الصلاة لأنّ التصديق القلبي لا يطلع عليه ، وهذه أعظم شعائر المشاهدة في كل وقت ولذا طلبت فيها الجماعة ليشاهدوا الإيمان ، ويشهدوا به فافهمه فإنه خفي على من قال إنه لا إشعار في النظم بما ذكر ، وصدّها عن الصلاة لأنها تشغلهم عنها ، ولأنّ السكران لا يقرب الصلاة . قوله : ( أعاد الحث على الانتهاء الخ ) لأنه فهم أولا من قوله تعالى :فَاجْتَنِبُوهُمع ما معه من تأكيدات التحريم ، وقوله : إيذانا بأنّ الأمر الخ . أي الشأن والحال أو الأمر الطلبي باجتنبوه بلغ غاية الظهور حتى لا حاجة إلى أمرهم به لظهور أدلته القاطعة للأعذار فلذا عبر بالاستفهام الإنكاري مع الجملة الاسمية ، والفاء المعقبة الدالة على أنها قد ثبتت الصوارف عنها ، وتبينت وجوه الفساد فيها حتى أنّ العاقل إذا خلي ، ونفسه بعد ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء ، وقوله :
أو مخالفتهما أعم من التفسير الأوّل فيكون مؤكدا لقوله :أَطِيعُوا اللَّهَوعلى الأوّل مؤسس ، ولذا قدمه وقوله وإنما ضررتم به أنفسكم إشارة إلى أنّ قوله :فَاعْلَمُواالخ جواب باعتبار لازمه المكنى به عنه . قوله : ( إذا ما اتقوا الخ ) تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها فإن عدم الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يشترط بشرط بل على سبيل المدح ، والثناء ، والدلالة على أنهم بهذه الصفة ، وسبب النزول ليس وجها آخر في معنى الآية ، ودفع ما فيها من التكرار بل إشارة إلى أنّ الآية نزلت في المؤمنين عامّة ، ويدخل فيهم هذه الطائفة أو في هذه الطائفة لكن الحكم عام ، وقوله : اتقوا المحرم الخ إشارة إلى دفع التكرار في الآية ، وسيأتي تفصيله . قوله : ( روي أنه لما نزل الخ ) أخرجه « 1 » أحمد في مسنده عن أبي هريرة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3051 والواحدي 416 عن البراء بن عازب به ، وورد من حديث ابن عباس أخرجه النسائي في « التفسير » 171 ، وصححه الحاكم 4 / 141 - 142 وقال على شرط مسلم ، ووافقه -