فكيف بإخواننا الذين ماتوا ، وهم يشربون الخمر ، ويأكلون الميسر فنزلت ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة أو باعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه ، وبين نفسه وبينه ، وبين الناس ، وبينه وبين اللّه تعالى ، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرّة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسّلام في تفسيره ، أو باعتبار
شرح
رضي اللّه تعالى عنه ، وهو في الصحيحين « 1 » عن أنس رضي اللّه تعالى عنه . قوله : ( ويحتمل أن يكون هذا التكرير الخ ) قال الطيبي رحمه اللّه تعالى : المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات ، وتحريم الطيبات ، وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ، ومعارج القدس ، والكمال ، وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل الاستقامة التامّة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ، ومعارج أن تعبد اللّه كأنك تراه ، وهو المعنى بقوله تعالى :وَأَحْسَنُواالخ وبه ينتهي للزلفى عند اللّه ، ومحبته واللّه يحب المحسنين ، وفي هذا النظم نتيجة من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهد أن تكون بما بيد اللّه أوثق منك بما في يديك ، وهذا دفع للتكرير ، وأنه ليس لمجرّد التأكيد لأنه يجوز فيه العطف بثم كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى :كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[ سورة التكاثر ، الآية : 3 ] بل به باعتبار تغاير ما علق به مرّة بعد أخرى ، والمصنف رحمه اللّه أشار أولا إلى تغايرها بأنّ المراد بالأوّل اتقاء ما حرّم عليهم أولا مع الثبات على الإيمان ، والأعمال الصالحة إذ لا ينفع الاتقاء بدون ذلك ، والثاني اتقاء ما حرّم عليهم بعد ذلك من الخمر ونحوه ، والإيمان التصديق بتحريم ذلك ، والثالث الثبات على اتقاء جميع ذلك من السابق ، والحادث مع تحري الأعمال الجميلة فالمراد بالأوقات الثلاثة زمان التحريم الأوّل الماضي ، وزمان التحريم الثاني الذي هو بمنزلة الحال ، وزمان الثبات على جميع ذلك في المستقبل . قوله : ( أو باعتبار الحالات الثلاث ) بأن يتقي اللّه ، ويؤمن به في السرّ ويجتنب ما يضرّ نفسه من عمل ، واعتقاد ويتقي اللّه ويؤمن به علانية ، ويجتنب ما يضرّ الناس ، ويتقي اللّه ، ويؤمن به بينه وبين اللّه بحيث يرفع الوسايط ، وينتهي إلى أقصى مراتب التقوى في الدرجة السالفة القابلة للقوى النفسانية ولما في هذه الحالة من الزلفى منه تعالى ذكر الإحسان فيها لأنّ الإحسان كما فسره النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث البخاري : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » . قوله : ( أو باعتبار المراتب الثلاث ) أي مراتب التقوى الثلاث التي مرّ تفصيلها ، ومن قال المراد به مبدأ السلوك أو مبدأ العمر فقد غفل عن مراده أو تغاير التقوى
هامش
- الذهبي ، وله شاهد آخر أخرجه أحمد 5 / 370 من حديث أبي عبد الرحمن الخطمي ، وشاهد آخر أخرجه أبو يعلى 1104 من حديث أبي سعيد ، فالحديث قوي بشواهده ، واللّه أعلم .
( 1 ) انظر صحيح البخاري 2464 ومسلم 1980 .
( 2 ) هو بعض حديث سؤالات جبريل ، وقد تقدم .